top of page

الاصطفاء الطبيعي: أنواعه، مبادئه، وأدلة تؤيد حدوثه في العالم الطبيعي

تشارلز داروين يفكر في طيور الشرشوريات
الاصطفاء الطبيعي

الاصطفاء الطبيعي (بالإنجليزية: Natural selection) ويطلق عليه أيضًا الانتقاء الطبيعي أو الانتخاب الطبيعي بشر به العالم داروين في عمله الرائد حول أصل الأنواع ومن بعده العالم ألفريد راسل والاس، وتقدم صياغة دارون للاصطفاء الطبيعي مفهومًا محوره أن البيئة تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل التركيب الجيني للكائنات الحية، حيث تميل تلك الكائنات الحية التي تمتلك اختلافات تتوافق بشكل أفضل مع الظروف البيئية التي تعيش فيها إلى الازدهار وإنجاب المزيد من النسل وهذا ما يعرف بالتكيف، وبالتالي تتغير التركيبة الجينية لهذه المجموعات تدريجيًا [6].


يعد الاصطفاء الطبيعي من المبادئ الأساسية في علم الأحياء التطوري حيث توفر آلية الاصطفاء الطبيعي نظرة عميقة على ديناميكيات تطور الأنواع مع مرور الوقت [3]، حيث يوفر هذا المبدأ الأساسي إطار تفسيري قوي لفهم تنوع الحياة على الأرض، ويوضح كيف تتغير الأنواع عبر الأجيال ويتكيفون مع التحديات التي تفرضها عليهم البيئة المحيطة بهم، لذا يعد مبدأ الاصطفاء الطبيعي العمود الفقري لنظرية دارون في التطور [4].


مبادئ الاصطفاء الطبيعي

يعتمد الاصطفاء الطبيعي على ثلاث مبادئ أساسية تسلط الضوء على كيفية قيام السمات المتنوعة للكائنات الحية ووراثتها والمزايا الناتجة عنها في البقاء والتكاثر بدفع العملية التطورية إلى الأمام، وتشمل هذه المبادئ على ما يلي:


التباين

التباين يعني الاختلاف الذي يظهره الأفراد ضمن أي مجموعة أو مجتمع حيوي بسبب التنوع الجيني، وتشمل هذه الاختلافات على الخصائص الجسدية والفسيولوجية والسلوكية التي تساهم في التنوع الشامل لأنواع الكائنات الحية [3].


يمكن أن ينشأ التباين بين الكائنات الحية نتيجة للطفرات أو إعادة التركيب الجيني أو الآليات الجينية الأخرى، ويؤدي إلى ظهور اختلافات بين الأفراد داخل المجموعة الحيوية الواحدة [6].


الوراثة

لا تعد السمات أو الاختلافات التي تظهرها الكائنات الحية مجرد خصائص عابرة، ولكنها أيضا قابلة للتوريث ويمكن أن تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، حيث تشكل هذه الوراثة العمود الفقري للاصطفاء الطبيعي لأنها تسمح للصفات المفيدة بالاستمرار عبر الأجيال مع مرور الوقت. يرث النسل السمات من والديهم مما يساهم في إدامة سمات معينة لدى الكائنات الحية [6].


النجاح الإنجابي التفاضلي

من أهم الجوانب للنجاح الانتقاء الطبيعي للكائن الحي هي الصفات التي تمكنه من البقاء على قيد الحياة، ولكن لا يقتصر هذا النجاح على البقاء على قيد الحياة فحسب بل يجب أن يدعم أيضاً بزيادة احتمالية ترك هذا الكائن الحي للنسل، ومع مرور الوقت تصبح هذه السمات المفيدة أكثر انتشارًا بين أفراد المجموعة أو المجتمع الحيوي الواحد، ويصبح بالإمكان نقلها عبر الأجيال [4].


التحديات الطبيعية وعملية الاصطفاء الطبيعي

نحن نعلم بشكل جيد أن الطبيعة الأم تفرض الكثير من الضغوطات والتحديات على الكائنات الحية، أي بكلمات أخرى في الطبيعة البقاء للأقوى، حيث توفر السمات المحددة ميزة واضحة تعزز بقاء وتكاثر الكائنات الحية في بيئات معينة.


من الأمثلة الشائعة على عملية الانتقاء الطبيعي التي حدثت نتيجة للضغوطات البيئية العثة المفلفلة خلال الثورة الصناعية، حيث تكيفت هذه الحشرة ليتناسب لونها مع الأشجار الملوثة بالسخام، مما ساعدها على البقاء على قيد الحياة داخل مواطنها.


من الضغوط الطبيعية الأخرى التي تؤثر في عملية الاصطفاء الطبيعي الافتراس، حيث يعمل الافتراس كقوة دافعة للاصطفاء الطبيعي [4]، فعلى سبيل المثال تطور بعض أنواع الكائنات الحية الغير ضارة القدرة على تقليد الأنواع الضارة لتتمكن من التهرب من الحيوانات المفترسة، مما يساعدها في البقاء على قيد الحياة عن طريق ردع تلك الحيوانات المفترسة المحتملة عن افتراسها.


يعد توفر الموارد أيضا من الضغوطات التي تدفع عملية الانتقاء الطبيعي [3]، فعلى سبيل المثال يمكن للكائنات الحية التي تمتلك صفات تساعدها على الاحتفاظ بالماء أو استخدامه بشكل فعال على أن تتناسب بشكل أفضل للتكيف والعيش في المناخات الجافة، ويساهم أيضًا في نقل هذه الصفات المفيدة للأجيال القادمة.


تأثير الأنشطة البشرية على الاصطفاء الطبيعي

تؤثر الانشطة البشرية بشكل كبير على الاصطفاء الطبيعي وتضع ضغوطًا متنوعة على أنواع الكائنات الحية المختلفة، مما يغير بشكل كبير في معدلات الوفيات والانجاب للعديد من الكائنات الحية [8]. يعني الاستغلال المفرط استخراج أو استخدام الموارد الطبيعية أو الكائنات الحية بشكل يتجاوز حدودها المستدامة، ويحدث هذا بسبب تجاوز معدلات الحصاد أو الصيد أو صيد الأسماك أو استخدام المواد الطبيعية بشكل يتجاوز معدلات تكاثرها أو تجددها في الطبيعة، مما يؤثر على قدرة هذه الموادر في الاستمرار.


يعد الاستغلال المفرط قوة انتقائية كبيرة تؤثر على التنوع الحيوي بين الأنواع من خلال التسبب بانخفاض أعداد أنواع الكائنات الحية التي كانت وفيرة تاريخيًا، وفرض ضغط انتقائي صارم على السمات المورفولوجية بسبب الصيد أو الحصاد العشوائي [8].


يؤثر تغير الموائل بما في ذلك خسارتها وتدهورها وتجزئتها بسبب العمليات البشرية المتعددة مثل توسع المدن [8]، وإزالة الغابات بشكل كبير في أعداد الكائنات الحية الفعلية، مما يعيق تدفق الجينات بينها، ويزيد من خطر الانقراض، ويقيد قدرتها على التكيف.


للتلوث أيضاً مثل تلوث المياه آثار متنوعة في عملية الاصطفاء الطبيعي، حيث يعرض التلوث الكائنات الحية لمواد كيميائية جديدة وضارة في كثير من الأحيان مما يفرض ضغوط انتقائية كبيرة على الكائنات الحية في البيئات الملوثة [8].


تم توثيق دور التطور الجزئي الذي تقوده الأنواع التي تغزو بيئات جديدة واستجابة سكان هذه البيئات للغزاوت كأحد الضغوط المفروضة على عملية الاصطفاء الطبيعي [8]، حيث تؤدي الغزوات إلى تسريع التطور الجزئي وتفرض ضغوط انتقائية جديدة على الأنواع التي تعيش في البيئات التي تغزوها، مما يؤدي إلى تغيرات جينية وظاهرية لدى عموم السكان في هذه البيئات في المستقبل.


تأثير تغير المناخ على عملية الاصطفاء الطبيعي

يفرض تغير المناخ ضغوط انتقائية على الكائنات الحية، مما يؤثر على السمات المظهرية والوراثية الأساسية اللازمة لعملية التكيف. تشير الأبحاث إلى أن التغير في درجات الحرارة وأنماط هطول الامطار والظواهر الجوية المتطرفة لها آثار عميقة على الأنظمة البيئية مما يؤثر بشكل كبير على بقاء بعض أنواع الكائنات الحية [2].


بالإضافة إلى ما سبق تؤثر الأحداث المناخية المتطرفة والاضطرابات في الأنماط الموسمية على التباين الجيني وقدرة الكائنات الحية على التكيف لمواجهة البيئات المتغيرة [2]، على سبيل المثال طورت بعض الأنواع فرو أكثر سماكة، أو تكيفت في أحجام أجسام أصغر في المناخات الباردة للحفاظ على حرارة أجسامها بشكل أكثر كفاءة، وعلى العكس من ذلك في المناخات الدافئة يمكن أن يوفر تطوير السمات التي تساعد في تبديد الحرارة أو تحملها ميزة للكائنات الحية لتبقى على قيد الحياة [7].


أنواع الاصطفاء الطبيعي

يقسم الاصطفاء الطبيعي إلى أنواع متعددة يشكل كل منها التركيب الجيني الفريد للأنواع بشكل مختلف عن النوع الآخر، وتشمل هذه الأنواع على ما يلي:


الاصطفاء الطبيعي الاتجاهي

في الاصطفاء الطبيعي الاتجاهي (بالإنجليزية: Directional selection) يتم اختيار الأفراد الذين لديهم أنماط ظاهرية أي سمات جسدية وتطورية وسلوكية متطرفة على السمات الاعتيادية، وبمرور الوقت يؤدي هذا الاختيار إلى حدوث تحول في خصائص أفراد المجموعة الحيوية باتجاه النمط الظاهري المتطرف [4].


لنعد إلى المثال الذين تناولنا فيه العثة المفلفة، حيث شكلك اللون الداكن تمويه جيد لهذه الحشرات مكنها من البقاء على قيد الحياة، فأصبحت العثات ذات اللون الداكن مهيمنة.


الاصطفاء الطبيعي التثبيتي

على عكس الاصطفاء الطبيعي الاتجاهي يفضل الاصطفاء الطبيعي التثبيتي (بالإنجليزية: Stabilizing selection) السمات المتوسطة، ويستبعد السمات المتطرفة [1]. يحافظ هذا النوع من الاصطفاء الطبيعي على السمات الشائعة الراهنة.


لنأخذ على سبيل المثال أوزان الأطفال لدى البشر عند الولادة، حيث يميل الأطفال المولودون بأوزان متوسطة للبقاء على قيد الحياة أكثر من الأطفال المولودين بأوزان منخفضة ومرتفعة [7].


الاصطفاء الطبيعي التمزيقي

يعمل الاصطفاء الطبيعي التمزيقي (بالإنجليزية: Disruptive selection) على الأنماط الظاهرية المتطرفة جداً من كلا طرفيها، ويختارها على الصفات المتوسطة، مما يساهم في حدوث التنوع عن طريق التسبب بالاختلاف بين أفراد النوع الواحد [4].


لفهم هذا النوع أكثر لنأخذ على سبيل المثال مجموعة من الطيور توفر لها المناقير الكبيرة جداً والصغيرة جداً إمكانية الوصول للمصادر الغذائية، مما قد يؤدي إلى تكوين مجموعات من الطيور لاحقاً تمتلك هذه الأحجام من المناقير [5].


أدلة على الاصطفاء الطبيعي

إن التحقق من صحة الاصطفاء الطبيعي باعتباره المحرك الرئيسي للتطور يستمد من مجموعة من التخصصات العلمية، ومنها:

  • السجل الأحفوري: يقدم السجل الأحفوري تسلسل زمني لأشكال الحياة، ويكشف عن التحولات والتكيفات عبر الزمن الجيولوجي، حيث تظهر السجلات الأحفورية أشكال وسطية من الكائنات الحية تسد الفجوات بين الأنواع المختلفة، مما يوفر دليل ملموس على التغير التدريجي لهذه الكائنات بمرور الوقت [6].

  • التشريح المقارن: يظهر التشريح المقارن الاختلاف والتشابه بين الهياكل التشريحية للكائنات الحية، حيث يشير التشابه التشريحي إلى حدوث تعديل على السلف المشترك بين الأنواع، مثل الأطراف خماسية الأصابع بين الفقاريات [3].

  • البيولوجيا الجزئية: تعزز جوانب البيولوجيا الجزئية مثل تسلسلات الحمض النووي والتحليل الجيني الأدلة على التطور من خلال الانتقاء الطبيعي من خلال أوجه التشابه في التسلسل الجيني بين الأنواع المختلفة [1] [6].

  • الظواهر المرصودة: تقدم ملاحظة الظواهر الطبيعية مثل التغيرات التكيفية استجابة للتغيرات البيئية توضيح للانتقاء الطبيعي، مما يدل على التأثير المستمر للانتقاء الطبيعي على سمات الأنواع [7].


مفاهيم خاطئة حول الاصطفاء الطبيعي

على الرغم من أن الاصطفاء الطبيعي مدعوم بقوة في علم الأحياء التطوري، إلا أن هناك الكثير من المفاهيم الخاطئة والانتقادات المحيطة به [5]، ومن هذه المفاهيم الخاطئة ما يلي:

  • الاعتقاد الخاطئ أن للاصطفاء الطبيعي هدف محدد مسبقاً، ولكن الواقع على العكس من ذلك، حيث يحدث الاصطفاء الطبيعي كاستجابة للتغيرات البيئية والضغوط الانتقائية، مما يؤدي إلى تغير الكائنات الحية بمرور الوقت، وليس لأن الكائنات الحية قررت مسبقاً تطوير سمات معينة [6].

  • الاعتقاد الخاطئ الآخر هو الاعتقاد بأن الاصطفاء الطبيعي يحدث على المستوى الفردي بدلاً من المجموعات، إلا أن ما هو صحيح أن الاصطفاء الطبيعي يعمل على الاختلافات الموروثة داخل المجموعات، مما يزيد من تواتر ظهور هذه السمات، أي أن التأثير على المجموعات هو الذي يدفع التغير التطوري عبر الأجيال وليس العكس [7].

  • يسيء البعض فهم مصطلح الاصطفاء ويفترضون أن هناك عملية اختيار نشطة تحدث بشكل مشابه لقرارت البشر الاختيارية في التناسل، لكن ما يحدث حقاً هو أن الاصطفاء الطبيعي يحدث نتيجة للنجاح الانجابي التفاضلي الذي يمتثل في قوانينه للعوامل البيئية وتفضيل سمات معينة على غيرها [6].

  • قد يشكك البعض في موثوقية الانتقاء الطبيعي باعتباره الآلية الأساسية للتطور، ولكن في حين أن الاصطفاء الطبيعي يعد الركيزة الأساسية في نظرية التطور إلا أنه يعمل جنبًا إلى جنب مع آليات أخرى مثل تدفق الجينات، والانحراف الجيني، أي أن هناك مجموعة من العوامل التي تؤثر في تكيف الأنواع وتغيرها [5].


المراجع

[1] Baines, J. F., Das, A., Mousset, S., & Stephan, W. (2004). The role of natural selection in genetic differentiation of worldwide populations of Drosophila ananassae. Genetics, 168(4), 1987–1998. https://doi.org/10.1534/genetics.104.027482

[2] Bemmels, J. B., & Anderson, J. T. (2019). Climate change shifts natural selection and the adaptive potential of the perennial forb Boechera stricta in the Rocky Mountains. Evolution, 73(11), 2247–2262. https://doi.org/10.1111/evo.13854

[3] Bradley B. (2022). Natural selection according to Darwin: cause or effect?. History and philosophy of the life sciences, 44(2), 13. https://doi.org/10.1007/s40656-022-00485-z

[4] Dimijian G. G. (2012). Darwinian natural selection: its enduring explanatory power. Proceedings (Baylor University. Medical Center), 25(2), 139–147. https://doi.org/10.1080/08998280.2012.11928811

[5] Dykhuizen D. (2016). Thoughts Toward a Theory of Natural Selection: The Importance of Microbial Experimental Evolution. Cold Spring Harbor perspectives in biology, 8(3), a018044. https://doi.org/10.1101/cshperspect.a018044

[6] Gildenhuys, P. (2019, September 25). Natural Selection (Stanford Encyclopedia of Philosophy). Stanford.edu. https://plato.stanford.edu/entries/natural-selection/

[7] National Academy of Sciences (US); Avise JC, Ayala FJ, editors. In the Light of Evolution: Volume III: Two Centuries of Darwin. Washington (DC): National Academies Press (US); 2009. Part I, NATURAL SELECTION, OR ADAPTATION TO NATURE. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK219717/

[8] Pelletier, F., Coltman, D.W. Will human influences on evolutionary dynamics in the wild pervade the Anthropocene?. BMC Biol 16, 7 (2018). https://doi.org/10.1186/s12915-017-0476-1

bottom of page