top of page

آليات الانحراف الجيني تبايناته وتأثيراته على التطور والتنوع الحيوي


عرض ثلاثي الأبعاد لليخت على جزيرة استوائية
الانحراف الجيني

الانحراف الجيني (بالإنجليزية: Genetic drift) ويطلق عليه أيضًا الانحراف الوراثي آلية أساسية تحدث بالصدفة، وهي من آليات التطور التي تؤكد على الطبيعة المتغيرة وغير المتوقعة للتغيرات الجينية بين الكائنات الحية، حيث يعد الانحراف الجيني أحد الشبكات المعقدة في نسيج عمليات التطور التي تشكل التغيرات الجينية للأنواع المختلفة عبر الأجيال المتعاقبة [1].


يظهر الانحراف الجيني كنتيجة لأحداث عشوائية تؤثر على انتشار الصفات أي الاليلات بين مجموعات الكائنات الحية، وعلى عكس الانتقاء الطبيعي تحدث هذه الأحداث المؤثرة بالصدفة، وتساهم في مد وجزر التنوع الجيني، وتعمق فهمنا الأوسع للتطور.


على الرغم من الانحراف الجيني قد يبدو فوضويًا وبلا اتجاه إلا أنه يترك أثرًا لا يمحى في التركيب الجيني للكائنات الحية، كما أن تأثير هذه الظاهرة في الاحتمالات تضيف طبقات من التعقيد إلى تكيف الكائنات الحية وتحولها، مما يعني أن فهم الانحراف الجيني يكشف عن فصل حاسم في قصة التطور حيث تتشابك الصدفة مع الوراثة، مما يؤدي في النهاية إلى نحت المصير الجيني لأنواع الكائنات الحية [3].


آليات الانحراف الجيني

يحدث الانحراف الجيني ضمن آليات معقدة تحدد مصير الكائنات الحية من خلال التواترات العشوائية للاليلات، وتشمل هذه الآليات على ما يلي:


تأثير المؤسس

يحدث تأثير المؤسس (بالإنجليزية: Founder Effect) عندما تقوم مجموعة صغيرة من الكائنات الحية بتأسيس مجتمع حيوي جديد، مما يؤدي إلى تكوين مسار وراثي فريد للمجموعات الناشئة، ويمهد الطريق أمام التحديات والفرص المرتبطة بانخفاض التنوع الجيني في هذا المجتمع الجديد [2] [4].


في هذه الظاهرة الوراثية يصبح التركيب الجيني للمجموعة المؤسسة للمجتمع الجديد حجر الزاوية الذي تبنى عليه الهوية الجينية لجميع سكان المجتمع لاحقًا، ويتردد صداها إلى ما هو أبعد من حدث تأسيس المجتمع الجديد عبر الأجيال مع ظهور عواقب جديدة دائمة لا يمكن عكسها في التركيب الجيني للمجتمع الجديد والأجيال التالية القادمة منه [6].


يطرح انخفاض التنوع الجيني الناتج عن تأثير المؤسس تحديات وفرص جديدة أمام أفراد المجتمع الحيوي الجديد فمن ناحية قد يجعل تجميع الجينات المحدود للسكان أكثر عرضة لبعض الاضطرابات الجينية، ومن ناحية أخرى يمكن أن يمهد تاثير المؤسس الطريق لتكييفات وراثية فريدة تميز سكان المجتمع الجديد عن أسلافهم [6].


من الأمثلة الشهيرة في التاريخ على تأثير المؤسس سكان بينجيلاب وهي جزيرة مرجانية حلقية صغيرة تقع في المحيط الهادئ واجه سكانها تأثير عنق الزجاجة الشديد عندما اجتاح إعصار الجزيرة في أواخر القرن الثامن عشر، مما أدى إلى تقليص عدد سكان الجزيرة إلى عدد صغير من الناجين، وفي أعقاب الإعصار تعرض العدد المحدود من الناجين لتأثير المؤسس، حيث كان الناجين يحملون فقط جزء صغير من التنوع الجيني للسكان الأصليين وبالتالي أصبحت بعض السمات الوراثية سائدة في هذه المجموعة المعزولة من السكان بسبب وجود أليلات محددة بين الناجين [5].


إحدى النتائج البارزة لتأثير المؤسس في سكان جزيرة بينجيلاب كان التكرار المرتفع نسبيًا للإصابة بعمى الألوان، حيث أدى تأثير المؤسس إلى تضخيم وجود جين عمى الألوان بين المجموعات الجينية المحدودة للناجين، مما أدى إلى ارتفاع الإصابة بهذه السمة بين السكان مقارنة بالمجموعات السكانية الأكبر المتنوعة وراثيًا [5].


تأثير عنق الزجاجة

يحتل تأثير عنق الزجاجة (بالإنجليزية: Bottleneck Effect) الصدارة باعتباره شاهدًا على مرونة النسيج الجيني وضعفه في نفس الوقت، حيث يعرف تأثير عنق الزجاجة بأنه الانخفاض الكبير في تعداد سكان المجتمع الحيوي، حيث تموت مجموعة كبيرة من السكان بسبب عامل عارض ما مثل الكوارث الطبيعية، مما يؤدي في تلك المرحلة إلى مواجهة السكان لتأثير الانحراف الجيني بكثافة [6].


من الأمثلة الشائعة حول تأثير عنق الزجاجة في صفحات السجلات التطورية قصة فيل البحر الشمالي، حيث واجهت هذه الكائنات في تسعينيات القرن التاسع عشر الصيد المتواصل مما أدى بهم إلى تأثير عنق الزجاجة وانخفاض ملحوظ في تنوعها الجيني مقارنة بنظائرها في الجنوب.


إن العواقب المترتبة على تأثير عنق الزجاجة يمتد إلى ما هو أبعد من مجرد الأرقام، حيث يصبح انخفاض التنوع الجيني بين الناجين أمر مؤرق وشهادة على ضعف التجمعات السكانية الصغيرة على مواجهة الأحداث العرضية، وتكشف عن العواقب المترتبة عليها مثل التوحيد الجيني (بالإنجليزية: Genetic uniformity) حيث تصبح القلة الباقية من السكان حاملة لشعلة الإرث الجيني الذي تغير إلى الأبد والذي يحمل معه خطر الاضطرابات الجينية [2] [6].


تواتر الأليل في الانحراف الجيني

تخضع تواترات الأليلات أي احتمال تكراره لتغيرات عشوائية أثناء الانحراف الجيني، مما يؤدي إما لتثبيت أو فقدان الأليل خلال هذه الظاهرة في مجتمع حيوي ما مع مرور الوقت [4].


يوضح نموذج رايت فيشر وهو إطار رياضي أساسي في علم الوراثة السكانية تأثيرات الانحراف الجيني على تواتر الأليل داخل المجموعات السكانية من خلال المعادلات التالية [4]:


معادلة تغير تواتر الأليل

تشمل المعادلات الرياضية التي توضح تغير تواتر الأليل للجيل الأساسي والجيل الأول على ما يلي:

p′ = p + pq / 2N

q′ = q + pq / 2N

تمثل (p′) و (q′) تواتر الأليل الجديد بعد جيل واحد.

تمثل (p) و (q) تواتر الأليل الموجود في الأصل.

تمثل (N) حجم السكان الفعال.


لنأخذ على سبيل المثال مجموعة من الفراشات ذات حجم سكان فعال يساوي 100 تمتلك أليلين (A) و (B)، وكان تواتر الأليلين في الجيل الأساسي كالتالي:

تواتر الأليل (A)= 0.6

تواتر الأليل (B)= 0.4


باستخدام معادلة تغير تواتر الأليل للأليل A

p′ =p + pq / 2N

p′ = 0.6 + (0.4 / (2 * 100)) = 0.6 + 0.002 = 0.602


باستخدام معادلة تغير تواتر الأليل للأليل B

p′ = 0.4 + (0.6 / (2 * 100)) = 0.4 + 0.003 = 0.403


معادلة احتمالية تثبيت الأليل

يشار إلى احتمال تثبيت الأليل أو فقدانه بالمصطلح (PFixation)، ويتم التعبير رياضيًا عن المعادلة التي تساعد في الحصول على هذا الاحتمال بما يلي:

P(Fixation) = 1 / 2N


​بالعودة إلى المثال السابق عن الفراشات فإن احتمال التثبيت يكون كالتالي:

P(Fixation) = 1 / (2 * 100) = 0.005


هذا يعني أنه في كل جيل هناك احتمال 0.5% أن يتم تثبيت أو فقدان واحد من الأليلين A أو B.


تسلط المعادلات السابقة الضوء على الطبيعة العشوائية للانحراف الجيني مع التركيز على كيفية تأثير الأحداث التي تحدث بالصدفة على مصير الأليلات داخل المجتمع، ويوضح حجم السكان الفعلي التأثيرات الواضحة للانحراف الجيني على المجموعات السكانية الأقل تعدادًا.


الانحراف الجيني مقابل الانتقاء الطبيعي

هناك تناقض صارخ بين الانحراف الجيني والانتقاء الطبيعي، ففي حين أن الانحراف الجيني هو عملية عشوائية تعمل بشكل مستقل عن تكيف الكائنات الحية مع بيئتها، وتؤدي إلى فقدان أو تثبيت الأليلات بغض النظر عن الأهمية الوظيفية للصفات المرتبطة بتلك الأليلات [4]، فإن الانتقاء الطبيعي الذي يعد حجر الزاوية في نظرية التطور يفضل انتشار السمات المفيدة بين السكان، حيث يوفر آلية للكائنات الحية لتصبح أكثر تكيفًا مع بيئتها [2].


فيما يلي ملخص لأهم الفروقات بين الانحراف الجيني والانتقاء الطبيعي [2] [6]:

  • آلية العمليتين:

  1. الانتقاء الطبيعي: يدفع بالبقاء والتكاثر التفاضلي للأفراد ذوي السمات التي تمنح ميزات إنجابية وللبقاء على قيد الحياة في بيئات معينة.

  2. الانحراف الجيني: يعمل من خلال أحداث الصدفة دون وجود أي ضغوط اختيارية وفقاً للسمات سواء كانت إيجابية أم سلبية.

  • التكيف والسمات:

  1. الانتقاء الطبيعي: يفضل السمات التي تعزز بقاء وتكاثر الكائن الحي، مما يؤدي إلى التراكم التدريجي للصفات المرغوبة في مجتمع حيوي ما.

  2. الانحراف الجيني: يؤثر على تواتر الأليلات بشكل عشوائي مع عدم الأخذ بعين الاعتبار السمات التكيفية للكائن الحي، مما يؤدي إلى تثبيت السمات أو فقدانها من خلال الصدفة البحتة.

  • حجم السكان:

  1. الانتقاء الطبيعي: يؤثر بشكل فعال في التجمعات السكانية الكبيرة.

  2. الانحراف الجيني: يؤثر بشكل أكبر في المجموعات السكانية الصغيرة حيث يمكن للأحداث العشوائية أن تؤثر في تواتر الأليلات.


الأهمية التطورية للانحراف الجيني

يلعب الانحراف الجيني باعتباره قوة لا هوادة فيها في السرد التطوري دورًا محوريًا في تشكيل المسار طويل الأمد للمجموعات السكانية في المجتمعات الحيوية، ولتأثيره على التنوع الجيني عواقب عميقة على التكيف والتكاثر اللذان يؤثران في مشهد التطور الأوسع [4].


التوحيد الجيني والتكيف

بمرور الوقت يؤدي التأثير التراكمي للانحراف الجيني إلى الانخفاض التدريجي للتنوع الجيني لدى المجموعات السكانية، ونظرًا إلى أن الأليلات إما تكون ثابتة أو مفقودة بسبب أحداث الصدفة، فإن المشهد الوراثي العام يميل إلى التوحيد أي تميل الكائنات الحية إلى امتلاك صفات معينة موحدة [4].


يؤدي الانخفاض في التنوع الجيني إلى الحد من قدرة الكائنات الحية على التكيف، وفي غياب مجموعة متنوعة من التنوع الجيني تتضاءل قدرة هذه الكائنات الحية على الاستجابة بفعالية للظروف البيئية المتغيرة أو الضغوط الانتقائية [4].


التنوع الحيوي

يتكشف التفاعل المعقد بين الانحراف الجيني والتكاثر عندما تخضع مجموعات صغيرة من السكان لتغيرات جينية متتالية على مر الأجيال، ففي السيناريوهات التي تكون فيها المجموعات معزولة تتراكم الاختلافات الجينية لفترات طويلة مما يمكن أن يؤدي إلى ظهور أنواع متميزة، وهكذا فإن الانحراف الجيني الذي يعمل بالتنسيق مع قوى تطورية أخرى يساهم في تكوين فسيفساء رائعة لتنوع الكائنات الحية [3].


تأثير الانحراف الجيني على البشر

يلعب الانحراف الجيني دور رئيسي في تشكيل التطور البشري، لا سيما عند الأخذ بعين الاعتبار الاستعمار وهجرة البشر [1]، حيث يصبح تأثير المؤسس مظهر من مظاهر الانحراف الجيني الواضح خاصة في الحالات التي تقوم فيها مجموعة صغيرة من البشر بتكوين مجتمع جديد، مما يؤثر على التركيب الجيني للأجيال اللاحقة [6].


مع تفرق المجموعات البشرية وتكوين مجتمعات جديدة فإن التنوع الجيني المحدود الذي أدخله الأفراد المؤسسون لهذا المجتمع الجديد يمكن أن يكون له عواقب وخيمة على التركيب الجيني للسكان، وتتجلى هذه الظاهرة في الأنماط الجينية التي لوحظت في مختلف المجموعات البشرية [1].


من الجدير بالذكر أن الانحراف الجيني الذي يتاثر بالأنشطة البشرية يمكن أن يساهم في انتشار بعض السمات والاضطرابات الوراثية في مجموعات سكانية معينة خاصة المجموعات الصغيرة المعزولة أو التي تتعمد الزواج من نفس المجموعة [6].


الجدل حول الانحراف الجيني

يتميز الجدل العلمي حول القوى التطورية بالنقاش المستمر حول أهمية الانحراف الجيني مقارنة بالعوامل المؤثرة الأخرى في التنوع والتكيف والتطور، ومن الأمور الرئيسية في هذه النقاشات مسألة كيفية تفاعل الانحراف الجيني مع قوى مثل الانتقاء الطبيعي، والطفرات، وتدفق الجينات في توجيه مسار التطور.


يدور أحد مجالات الاختلاف حول تأثير الانحراف الجيني في المجموعات السكانية الصغيرة مقابل تأثيره في المجموعات السكانية الأكبر، فعلى الرغم من أنه من المسلم به أن الانحراف الجيني يظهر تأثيرات أكبر في المجموعات السكانية الصغيرة بسبب الدور المتزايد لأحداث الصدفة، إلا أن مدى تأثير هذه الظاهرة على النتائج التطورية هي مسألة بحث مستمرة، حيث يسعى الباحثون لتحديد التفاعلات الدقيقة بين الانحراف الجيني والقوى التطورية الأخرى، ويسعون لفهم المساهمات التفاضلية لكل عامل في سياقات بيئية وديموغرافية متغيرة [4].


بالإضافة إلى ما سبق تمتد النقاشات إلى السياق الزمني، حيث يكتشف الباحثون كيف تتكشف تأثيرات الانحراف الجيني على مدى فترات طويلة من الزمن، فعلى الرغم من أن الانحراف الجيني يلعب دور كبير في العمليات التطورية الدقيقة قصيرة الأمد إلا أانه يساهم بشكل كبير في أنماط التطور الكلي طويلة الأمد، ولكن لا تزال هذه الأنماط التطورية مجالًا نشطًا للبحث [4].


ساهم التقدم في البحث الجيني وتقنيات النمذجة الحاسوبية والقدرة على تحليل مجموعات كبيرة من البيانات في تعزيز فهمنا للانحراف الجيني، إلا أن الباحثين يعملون باستمرار على تحسين فهمهم للأهمية النسبية للانحراف الجيني في السياق الأوسع للتطور، والآليات الأساسية التي نحتت تنوع الحياة على كوكب الأرض.


المراجع

[1] Angst, P., Ameline, C., Haag, C. R., Ben-Ami, F., Ebert, D., & Fields, P. D. (2022). Genetic Drift Shapes the Evolution of a Highly Dynamic Metapopulation. Molecular biology and evolution, 39(12), msac264. https://doi.org/10.1093/molbev/msac264

[3] Lenart, P., Bienertová-Vašků, J., & Berec, L. (2022). Learning mitigates genetic drift. Scientific reports, 12(1), 20403. https://doi.org/10.1038/s41598-022-24748-8

[4] Millstein, R. L. (2017). Genetic Drift (E. N. Zalta, Ed.). Stanford Encyclopedia of Philosophy; Metaphysics Research Lab, Stanford University. https://plato.stanford.edu/entries/genetic-drift/

[5] Morton, N., Lew,', apos;, Hussels,' And, I., & Little', G. (1972). Pingelap and Mokil Atolls: Historical Genetics. Amer J Hum Genet, 24, 277–289. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC1762283/pdf/ajhg00454-0043.pdf

[6] UC Museum of Paleontology. (n.d.). Bottlenecks and founder effects. Evolution.berkeley.edu. https://evolution.berkeley.edu/bottlenecks-and-founder-effects/

bottom of page