top of page

التطور الحيوي: فهم الآليات والتطبيقات في العلوم المختلفة


مفهوم التطور
التطور

التطور من المفاهيم الأساسية في علم الأحياء، ويعني التغير التدريجي والتنوع للكائنات الحية على مدى أجيال متتالية، مما يشكل بشكل دائم نسيج الحياة الغني على كوكب الأرض [4]. يعد التطور من الآليات المعقدة التي تحكم كيفية تكيف الأنواع المختلفة وتحورها وازدهارها، وتطور استجابتها للضغوط والتغيرات البيئية المستمرة [1].


تجسد فكرة التطور سلسة متواصلة من التغيرات التي تظهر عبر مستويات مختلفة بدءًا من الاختلافات الجينية الدقيقة، وحتى ظهور أنواع جديدة تماماً من الكائنات الحية مترابطة بشكل معقد عبر الخط الزمني [3]. لذا يمكن القول بأن التطور هو الإطار الأساسي لفك رموز التنوع البيولوجي الذي نراه اليوم، ويساعد في كشف التقدم التاريخي لأشكال الحياة منذ أسلافها القدماء وحتى مظاهرها الحالية [4].


نظريات التطور المبكرة

يمتد تاريخ فكرة التطور إلى قرون مضت، حيث تميزت هذه الفكرة بنظريات محورية شكلت فهمنا الحالي لتحولات الحياة، وتعد اللاماركية التي اقترحها جان بابتيست لامارك أحد أولى المفاهيم التي توضح فكرة تغير الأنواع بمرور الوقت [5]. افترضت اللاماركية أن الكائنات الحية يمكن أن تنقل السمات التي اكتسبتها بمرور الوقت إلى ذريتها، مما يساهم في عملية التطور، وعلى الرغم من أن هذا المفهوم للتطور غير دقيق إلا أنه أثار النقاش حول الآليات التي تؤدي إلى التعديلات التطورية بين الأنواع [3].


على الرغم من نظرية جان بابتيست لامارك إلا أن نظرية تشارلز داروين في الانتقاء الطبيعي كانت هي النظرية التي أثارت ثورة فهمنا الحالي للتطور، حيث اقترح عمل داروين حول أصل الأنواع الآلية التي تتطور بها أنواع الكائنات الحية المختلفة من خلال عملية الانتقاء الطبيعي. افترض داروين أن هناك اختلافات داخل المجتمع الحيوي، وأن الأنواع التي تتكيف بشكل أفضل مع بيئتها لديها فرصة أكبر للبقاء على قيد الحياة والتكاثر، ويمكنها أيضاً نقل هذه الصفات المفيدة إلى الأجيال اللاحقة من سلالاتها [5].


أرست نظرية دارون في الانتقاء الطبيعي الأساس لعلم الأحياء التطوري الحديث، وأكدت على أهمية النجاح التفاضلي في دفع تكيف الأنواع وتنوعها بمرور الوقت [2] [3]. أدى دمج نظريات داروين مع نظريات مندل الوراثية إلى توحيد الأفكار حول التنوع الحيوي والوراثة، حيث وفرت هاتان النظريتان إطار شامل لعلم الأحياء التطوري [1]. وعلى الرغم من محدودية هذه النظريات، والتحسينات التي أجريت عليها لاحقاً إلا أنها تبقى الأساس التاريخي الذي بني عليه علم التطور المعاصر، والموجه الرئيسي لاستكشافنا للآليات المعقدة الكامنة وراء تنوع الحياة على الأرض.


المبادئ الأساسية لنظرية التطور

يلخص الانحدار مع التعديل التدريجي في المعلومات الوراثية التي يتم نقلها من سلف مشترك إلى الأجيال اللاحقة المبدأ الأساسي لعلم الأحياء التطوري [4]، حيث يؤكد هذا المفهوم في جوهره على أن الكائنات الحية ترث السمات من أسلافها، ولكنها أيضاً تكتسب تعديلات تتراكم من خلال التغيرات الجينية والتفاعلات البيئية التي في النتيجة تشكل النسيج المعقد لأشكال الحياة التي نلاحظها اليوم [5].


يتم دعم فهم السلالة المشتركة من خلال السجل الأحفوري، والتشريح المقارن، والبيولوجيا الجزئية، إذ توفر السجلات الأحفورية لقطات لأشكال الحياة في الماضي[2]، أما التشريح المقارن فيظهر السمات المشتركة في الهياكل التشريحية [5]، وبالمثل تكشف البيولوجيا الجزئية التشابه في تسلسل الحمض النووي عبر الأنواع المختلفة [4].


أدلة على التطور

تستمد نظرية التطور قوتها من الأدلة القادمة من التخصصات العلمية المختلفة [1]، ومنها:


السجلات الأحفورية

توفر السجلات الأحفورية والتي تعد حجر الزاوية في الأدلة التطورية لقطات من أشكال الحياة القديمة، وتكشف عن التحولات والتكيفات التي مرت بها الأنواع المختلفة من الكائنات الحية على مدى ملايين السنين [4]، كما تقدم البقايا من حياة ما قبل التاريخ التي يتم العثور عليها لمحات عن التغيرات المورفولوجية التدريجية التي مرت بها الكائنات الحية، بدءًا من ظهور أنواع جديدة وحتى انقراض أنواع أخرى مما يشكل التنوع البيولوجي الذي نلحظه اليوم.


علم التشريح المقارن

استكمالاً للسجل الأحفوري يكشف علم التشريح المقارن عن العلاقة التطورية بين الكائنات الحية [3]، حيث تلقي دراسة الهياكل التشريحية الضوء على السمات المشتركة والأصل المشترك بين الكائنات الحية، إذ تؤكد الهياكل المتجانسة أي التي تشترك في شكل مماثل ولكنها تختلف في الوظيفة وجود الروابط بين الأنواع وانحرافها التطوري عن السلف المشترك تدريجياً لتصل لأشكال الكائنات الحية التي نراها الآن [5].


البيولوجيا الجزيئية

قدمت التطورات في البيولوجيا الجزيئية سردًا جزيئياً للتاريخ التطوري [2]، فمن خلال تحليل التسلسل الجيني والتركيبات الجزيئية تمكن الباحثون من فك رموز العلاقة بين الكائنات الحية، حيث تعكس الشيفرات الجينية المشتركة عبر الأنواع المختلفة مفهوم السلف المشترك، مما يدعم مفهوم شبكة الكائنات الحية.


الجغرافيا الحيوية

توفر الجغرافيا الحيوية أي توزيع الكائنات الحية عبر المناطق الجغرافية أيضاً نظرة ثاقبة حول كيفية تشكيل عمليات التطور من خلال العوامل البيئية والعزلة الجغرافية [4] مثل عصافير غالاباغوس، بكلمات أبسط يكشف توزع الأنواع وهجرتها وتكيفها مع المواطن الطبيعية المتنوعة عن مسارات التطور التي مرت بها الكائنات الحية.


الاستخدام العملي لمبادئ التطور

يتجاوز فهم مبادئ التطور كتب علم الأحياء والأوراق البحثية ويتخلل التطبيقات العملية في مجالات متعددة [3]، حيث يستخدم القطاع الزراعي المعرفة التطورية للتخفيف من مقاومة الآفات للمبيدات الحشرية وغيرها من التدابير، ولتعزيز انتاج المحاصيل، إذ توجه برامج تربية المحاصيل إلى تطوير أصناف مرنة وعالية الإنتاجية وقادرة على تحمل الظروف البيئية المتغيرة، كما أن استراتيجيات إدراة الآفات تتم صياغتها من خلال توقع استجاباتها التطورية للمبيدات الحشرية وتدابير المكافحة الأخرى [2].


تعتمد بيولوجيا الحفظ أيضاً على نظرية التطور لحماية التنوع البيولوجي، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، إذ يساعد التعرف على التنوع الجيني داخل الأنواع وفهم تاريخها التطوري على وضع استراتيجيات لحفظها من خلال تحديد الموائل والمجموعات الرئيسية التي تعد ضرورية للحفاظ على التنوع الجيني، وبالتالي ضمان بقاء الأنواع على المدى الطويل [5].


تساعد نظرية التطور أيضاً على فهم التفاعلات بين الأنواع المختلفة من الكائنات الحية، وفهم ديناميكيات النظام البيئي، وطرق التكيف مع البيئات المتغيرة، حيث يتم فك غموض العلاقات المعقدة بين الكائنات الحية وبنيتها من خلال عدسة التطور، مما يمكن علماء البيئة من التنبؤ بكيفية استجابة أنواع الكائنات الحية للتغيرات البيئية، وتساعد أيضاً على فهم كيف ستتطور النظم البيئية بمرور الوقت [4].


آليات التطور

تشمل الآليات التي تتطور بها الكائنات الحية على العديد من العمليات الحيوية التي تدفع حدوث التغيرات بين الكائنات الحية مع مرور الوقت [4]، وفي كثير من الأحيان قد تعمل هذذه الآليات بالترادف وليس بمعزل عن بعضها. ومن الآليات التي تتطور بها الكائنات الحية على ما يلي:

  • الانتقاء الطبيعي: هو المفهوم الاساسي لنظرية داروين، حيث تختار هذه الآلية السمات المفيدة لدى الكائن الحي للبقاء على قيد الحياة والتكاثر في بيئات محددة، وبالتالي تشكل هذه الآلية خصائص الكائنات الحية على مدى الأجيال المتعاقبة [2].

  • الطفرات الجينية: يشكل التنوع الجيني الناتج عن الطفرات الوراثية أساس التنوع بين السكان، حيث تقدم التغيرات في الشيفرات الوراثية والطفرات أليلات وسمات جديدة للكائنات الحية [3]، وتعد مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية من الأمثلة على الانتقاء الطبيعي والطفرات الجينية.

  • الانحراف الجيني: تؤثر الأحداث العشوائية بشكل كبير على تكرار ظهور الأليلات لدى المجموعات الصغيرة، إذ يمكن أن تؤدي هذه العملية العشوائية إلى حدوث تغيرات جينية كبيرة، وحتى فقدان للأليات بين المجموعات بمرور الوقت [4].

  • تدفق الجينات: تساهم حركة الجينات بين المجموعات والتي يطلق عليها تدفق الجينات إلى حدوث التنوع الجيني، إذ يتسبب إدخال مادة وراثية جديدة إلى المجموعات في حدوث انحراف جيني يؤثر على المسار التطوري للمجموعات [5].


الخلافات حول نظرية التطور وأسباب سوء الفهم

على الرغم من أن التطور يعد حجر الزاوية في علم الأحياء الحديث، إلا أنه واجه الكثير من سوء الفم والخلافات المستمرة التي لا تزال تشكل تحدي في قبول التطور في مخلف المجالات [4].


أحد جوانب سوء الفهم للتطور هو التفسير الخاطئ للتطور واعتباره عملية عشوائية بحتة خالية من أي توجيهات، وغالباً ما ينشأ سوء الفهم هذا عن الافتقار للفهم الشامل للتطور، أو عن التحريف لآليات الانتقاء الطبيعي، والانحراف الجيني، والطفرات. إن العمليات التطورية بطبيعتها غير عشوائية، حيث يعمل الانتقاء الطبيعي على الاختلاف بين المجموعات، مما يؤدي إلى التكيف التدريجي للكائنات الحية مع بيئتها [5].


ينبع الفهم الخاطئ لنظرية التطور أيضاً من عدم الوضوح المتعلق بالجداول الزمنية، والآليات المشاركة في العمليات التطورية [1]، إذ غالبًا ما تواجه الطبيعة التدريجية للتطور التي تمتد لملايين السنين، وتراكم التغيرات الصغيرة بمرور الوقت صعوبة في الفهم العام، مما بدوره يتسبب في الشك أو سوء الفهم لعملية التطور نفسها.


قد تنشأ مفاهيم خاطئة أيضاً بسبب تصور التطور بأنه تقدم خطي فقط وليس عملية معقدة ومتفرعة تؤدي إلى تنوع أشكال الحياة، إذ إن تصور التطور على أنه تقدم يشبه السلم يظهر بعض الأنواع على أنها أكثر تقدماً من غيرها، ولكن للأسف هذا التصور غير دقيق ويفشل في تصور شبكة العلاقات المعقدة بين جميع الكائنات الحية [3].


المراجع

[1] Ashraf, M. A., & Sarfraz, M. (2016). Biology and evolution of life science. Saudi journal of biological sciences, 23(1), S1–S5. https://doi.org/10.1016/j.sjbs.2015.11.012

[2] Hendry, A. P., Kinnison, M. T., Heino, M., Day, T., Smith, T. B., Fitt, G., Bergstrom, C. T., Oakeshott, J., Jørgensen, P. S., Zalucki, M. P., Gilchrist, G., Southerton, S., Sih, A., Strauss, S., Denison, R. F., & Carroll, S. P. (2011). Evolutionary principles and their practical application. Evolutionary applications, 4(2), 159–183. https://doi.org/10.1111/j.1752-4571.2010.00165.x

[3] National Academy of Sciences (US). Science and Creationism: A View from the National Academy of Sciences: Second Edition. Washington (DC): National Academies Press (US); 1999. Evidence Supporting Biological Evolution. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK230201/

[4] National Research Council (US) Committee on Research Opportunities in Biology. Opportunities in Biology. Washington (DC): National Academies Press (US); 1989. 8, Evolution and Diversity. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK217815/

[5] Russo, C. A. M., & André, T. (2019). Science and evolution. Genetics and molecular biology, 42(1), 120–124. https://doi.org/10.1590/1678-4685-gmb-2018-0086

bottom of page