top of page

التنوع الحيوي: مفهومه، فوائده، التحديات والتهديدات، والحلول المستدامة


الطبيعة الجميلة لحديقة ماكسيمير تنعكس في الماء
التنوع الحيوي

يلعب التنوع الحيوي (بالإنجليزية: Biodiversity) وهو الشبكة المعقدة للحياة على سطح الأرض دورًا محوريًا في الحفاظ على النظم البيئية صحية، واستدامة الحياة على سطح الأرض. يشمل التنوع الحيوي على تنوع أنواع الكائنات الحية من الميكروبات التي لا نعرف عنها الكثير إلى الإنسان، ويشمل أيضًا على التنوع الجيني داخل أنواع هذه الكائنات الحية والتفاعل بينها.


لا يعني التنوع البيولوجي فقط الأنواع المتميزة من الكائنات الحية، بل يجب الأخذ بعين الاعتبار أنه نظام ديناميكي مترابط يؤثر في صحة الكوكب بشكل عام، حيث أن هذا النظام هو أساس الخدمات التي يوفرها النظام البيئي مثل الهواء والمياه النظيفة، والتربة الخصبة، والموارد الأخرى الضرورية لبقاء الكائنات الحية بما في ذلك الإنسان على قيد الحياة [1].


أهمية التنوع الحيوي

إن القيمة الجوهرية للتنوع الحيوي هي الحفاظ على صحة وحيوية كوكب الأرض من خلال أدواره متعددة الأوجه التي يلعبها في تشكيل بيئتنا والتأثير على رفاهية الإنسان والمساهمة في الثراء الثقافي للمجتمعات. نستعرض في الآتي أهمية التنوع الحيوي متعددة الأوجه:


استقرار النظام البيئي

يعد التنوع الحيوي بمثابة بوليصة تأمين للطبيعة، حيث يعزز مرونة النظم الحيوية، ويعزز من قدرتها على تحمل التغيرات البيئية [5]، حيث تشكل شبكة التفاعلات بين أنواع الكائنات الحية المختلفة أساسًا قويًا في استقرار النظام البيئي.


تظهر النظم البيئية المتنوعة قدرة ملحوظة على التكيف مع المتغيرات والتعافي من الاضطرابات [2]، إذ إن تنوع الكائنات الحية داخل هذه النظم يضمن أنه حتى في مواجهة التحديات الكبرى مثل الكوارث الطبيعية أو التغيرات المناخية يمكن لبعض الكائنات الحية أن تزدهر بينما يبقى البعض الآخر يكافح للبقاء، مما يمنع الانهيار الكلي والكارثي للنظام البيئي، وتعد هذه المرونة أمر بالغ الأهمية لاستدامة وظائف النظم البيئية بمرور الوقت.


من الأمثلة على الاستقرار البيئي القائم على التنوع الحيوي ما يلي:


الشعب المرجانية

تظهر هذه النظم البيئية النابضة بالحياة تحت الماء والتي تعج بمجموعات من الكائنات الحية البحرية مرونة عالية يوفرها هذا التنوع الحيوي الكبير [4].


توضح الشعب المرجانية التي غالبًا ما يشار إليها بالغابات المطيرة البحرية كيف يساهم التعايش بين العديد من أنواع الكائنات الحية في الاستقرار العام للنظام البيئي من خلال تعاون الأنواع المختلفة من الشعب المرجانية والأسماك إلى اللافقاريات ضمن علاقات معقدة مما يضمن حيوية الشعب المرجانية.


الغابات الاستوائية المطيرة

الغابات الاستوائية المطيرة الخصبة التي تحتوي على تنوع حيوي كبير هي شهادة أخرى على التأثير المستقر للتنوع الحيوي [5].


تخلق الأنواع المختلفة من الحيوانات والنباتات التي لا تعد ولا تحصى في الغابات الاستوائية المطيرة نظام مضبوط بدقة، حيث يلعب كل كائن حي دورًا مميزًا في هذا النظام. إن الترابط بين أنواع الكائنات الحية في هذه الغابات لا يحمي النظام البيئي من الاضطرابات المفاجئة فقط بل يعزز أيضًا من قدرة النظام كاملًا على التكيف مع الظروف المتقلبة.


الأراضي العشبية

تضرب النظم البيئية الأرضية مثل الأراضي العشبية مثالًا على كيفية دعم التنوع الحيوي للاستقرار البيئي [2]، حيث يساهم التعايش بين مختلف أنواع النباتات والحيوانات العاشبة والمفترسة في تعزيز مرونة النظم البيئية للأراضي العشبية، حيث يساعد هذا التنوع في منع هيمنة نوع واحد، مما يسمح بحدوث توازن يستمر من خلال السيناريوهات البيئية المختلفة.


رفاهية الإنسان

يرتبط ازدهار البشر ارتباط وثيق بتنوع الحياة على الأرض من خلال العلاقة الحيوية بين صحة النظم البيئية ورفاهية الإنسان، وفيما يلي أهم الطرق التي يثري بها التنوع الحيوي حياة البشر:


الخدمات التي يقدمها النظام البيئي

يعمل التنوع الحيوي كمزود لخدمات الطبيعة، حيث يقدم مجموعة من الخدمات الأساسية التي تحافظ على حياة الإنسان بما في ذلك الهواء والماء ودورة المغذيات ومكافحة الآفات بالإضافة إلى خدمات أخرى لا تعد ولا تحصى تؤديها النظم البيئية المتنوعة [4].


فيما يلي استعراض لأهم الخدمات التي يقدمها النظام البيئي للبشر [2] [4]:

  • تنقية الهواء والماء: تساهم أنواع النباتات المختلفة من خلال عملية البناء الضوئي في إنتاج الأكسجين وتعمل كمرشحات طبيعية تنقي الهواء الذي نتنفسه، أما النظم البيئية المائية فتلعب دور حاسم في ترشيح وتنقية المياه وتضمن جودتها للاستهلاك.

  • تدوير المغذيات: يعد تدوير المغذيات عبر النظم البيئية أمرًا أساسياً للزراعة وتغذية الإنسان، ويتم تسهيل هذه العملية من خلال التنوع الحيوي خاصة الكائنات الحية الدقيقة المحللة في التربة التي تعزز خصوبة التربة.

  • مكافحة الآفات: تساهم الحيوانات المفترسة التي تشكل جزءًا من النظم البيئية في مكافحة الآفات مثل الفئران، مما يقلل من الحاجة إلى استخدام مبيدات الآفات على نطاق واسع في الزراعة، الذي بدوره يساهم في الصحة البيئية وصحة الإنسان والإنتاج الغذائي المستدام.


التنوع الجيني والزراعة

يعد التنوع الحيوي حجر الأساس في الزراعة، فهو يوفر مستودعًا للتنوع الجيني الذي يعزز قدرة المحاصيل على الصمود في وجه الظروف المختلفة، حيث يوفر التنوع لدى النباتات والحيوانات ثروة من المواد الوراثية التي تمكن المحاصيل من التكيف مع الظروف البيئية المتغيرة، ومقاومة الأمراض، وتعزز من إنتاجها [4].


وفيما يلي أهم أوجه مساهمة التنوع الحيوي والتنوع الجيني في قطاع الزراعة [3] [5]:

  • القدرة على مقاومة الأمراض: يعمل التنوع الجيني الموجود في أصناف المحاصيل كحاجز واقي من الأمراض التي يمكن أن تدمر المحاصيل، ففي النظم الزراعة ذات التنوع الحيوي إذا كان أحد أصناف المحاصيل عرضة لمسببات أمراض معينة، فقد تمتلك الأنواع الأخرى مقاومة لهذه الأمراض، مما يمنع فشل وتراجع إنتاج المحاصيل على نطاق واسع.

  • التكيف مع تغير المناخ: مع تسبب تغير المناخ بعدم القدرة على تنبؤ أنماط الطقس أصبحت المحاصيل المتنوعة ضرورية لضمان الأمن الغذائي. تسمح السمات الوراثية المتنوعة داخل المحاصيل المختلفة بالتكيف مع المناخات المتغيرة، مما يساعد على حماية أنظمتنا الزراعية.


القيمة الثقافية والجمالية

إلى جانب الفوائد الملموسة التي يقدمها التنوع الحيوي فإن قيمته الثقافية والجمالية تضيق طبقة عميقة من الأهمية إلى التجربة الإنسانية، إذ إن المناظر الطبيعية وأنواع الكائنات الحية المختلفة لا تعد مجرد عناصر من البيئة فقط، ولكنها خيوط من النسيج الثقافي الغني، وتشكل التقاليد، والطقوس والتقدير الجمالي.


يتشابك التنوع الحيوي بشكل عميق مع النسيج الثقافي للمجتمعات في مختلف أنحاء العالم، حيث تلعب النباتات والحيوانات أدورًا أساسية في الطقوس التقليدية، إذ غالباً ما ترمز النباتات والحيوانات إلى معاني وارتباطات أعمق بالعالم الطبيعي، وفيما يلي لمحات عن الأهمية الثقافية للتنوع الحيوي [1] [3]:

  • الرمزية في التقاليد: تدمج العديد من الثقافات نباتات وحيوانات معينة في تقاليدها واحتفالاتها، وتنسب لها رموز تعكس قيم ومعتقدات وروايات تاريخية لهذه الثقافات، مما يعكس الارتباط العميق بين التنوع الحيوي والهوية الثقافية لكل شعب.

  • الممارسات الطبية والروحية: تمتلك بعض أنواع النباتات خصائص طبية تجعلها جزءًا من أنظمة العلاج التقليدية، بالإضافة إلى ذلك غالبًا ما تكون المناظر الطبيعية المتنوعة مساحات مقدسة، مما يعزز الرفاهية الروحية والعلاقة المتناغمة بين البشر والطبيعة.

  • الترفيه والسياحة: توفر الأماكن الطبيعية مثل الغابات الخضراء والشعب المرجانية مساحات للترفيه والسياحة، حيث يبحث الناس عن التعزيز النفسي في هدوء الغابات، والمشاركة في مراقبة الطيور، أو المشي لمسافات طويلة.

  • التقدير الجمالي: يساهم التنوع الهائل في الألوان والاشكال والسلوكيات التي تظهرها الأنواع المختلفة من الكائنات الحية في الثراء الجمالي لما يحيط بنا، فمن الريش النابض بالحياة للطيور الاستوائية إلى الأنماط المعقدة للشعب المرجانية يوفر التنوع الحيوي مصدرًا لا نهاية له للبهجة البصرية والحسية.

  • الارتباط الروحي: غالبًا ما تثير الطبيعة بأشكالها المتنوعة الشعور بالدهشة والتبجيل، سواء كان ذلك من خلال الغابات القديمة أو الصحارى الممتدة أو الجبال الشاهقة فإن التنوع البيولوجي يعزز الارتباط الروحي، ويذكرنا بمكانتنا داخل شبكة الحياة المعقدة.


مهددات التنوع الحيوي

هناك العديد من العوامل التي تهدد التنوع الحيوي والتوازن البيئي ومنها:


فقدان الموائل وتجزئتها

تسبب التوسع الحضري المتواصل، والتوسع الزراعي، وتطوير البنية التحتية بتكلفة كبيرة لشبكة الحياة الطبيعية، حيث تواجه الموائل الطبيعية فقدان وتجزئة متسارعتين [2]، الذي بدوره يعطل النظم البيئية ويتسبب بصعوبات وتحديات كبيرة لأنواع الكائنات الحية الموجودة في هذه النظم البيئية، ومن أسباب هذه التحديات ما يلي [2] [5]:

  • التحضر: يتسبب التحضر السريع المدفوع بالنمو السكاني والتوسع الاقتصادي بالتعدي على الموائل الطبيعية، حيث يؤدي تحويل المساحات الطبيعية البرية إلى مناطق حضرية إلى الخسارة المباشرة للبيئات الغنية بالتنوع الحيوي، كما يؤدي توسع المدن والطرق والبنية التحتية إلى تفتيت الموائل التي كانت متجاورة في السابق، مما يترك بقعًا معزولة من هذه الموائل تكافح للحفاظ على التنوع الحيوي بداخلها.

  • الزراعة: تتطلب زيادة الطلب على الزراعة الإزالة واسعة النطاق للغابات، وتجفيف الأراضي الرطبة، وتحويل النظم البيئية المتنوعة إلى أنظمة زراعة أحادية، مما يتسبب في تدمير الموائل الطبيعية ونزوح وتراجع أعداد العديد من أنواع الكائنات الحية التي كانت متكيفة مع هذه البيئات.

  • تطوير البنية التحتية: يؤدي شق الطرق وبناء السدود ومشاريع البنية التحتية الأخرى إلى تفاقم وتسارع فقدان الموائل، حيث تعمل هذه الحواجز الصناعية على تجزئة الموائل الطبيعية والنظم الحيوية، مما يقيد حركة أنواع الكائنات الحية ويحد من قدرتها على الوصول إلى الموارد الأساسية، ويزيد من التحديات التي يواجهها التنوع البيولوجي بما في ذلك التنوع الجيني.


اضطراب النظم البيئية

تشمل أسباب اضطراب النظم البيئية على ما يلي [5]:

  • تحديات هجرة الأنواع: يؤدي فقدان الموائل وتجزئتها إلى خلق عقبات هائلة أمام هجرة أنواع الكائنات الحية وانتشارها، مما يخلق صعوبات في وجه التبادل الجيني بين الأنواع ويقلل من قدرتها على التكيف الذي بدوره يقلل من قدرتها على الصمود في وجه التغيرات البيئية.

  • صعوبات التكيف: تسبب التغيرات البيئية السريعة المدفوعة بعوامل مثل تغير المناخ بصعوبات كبيرة لأنواع الكائنات الحية خاصة الكائنات الحية المعزولة التي تعيش في الموائل المجزأة، حيث أن عدم القدرة على التحرك عبر الأراضي الطبيعية المجزأة يحد من من قدرة أنواع الكائنات الحية على العثور على موائل مناسبة لها عند تغيير الظروف البيئية، مما يزيد من خطر انقراض هذه الأنواع.


تغير المناخ

يتسبب تغير المناخ بتهديدات يتردد صداها عبر النظم البيئية ويتحدى نسيج الحياة ضمن هذه النظم [2]. يعيد تغير المناخ التوزيع الجغرافي لأنواع الكائنات الحية، ويغير النظم البيئية، ويعود السبب في ذلك إلى ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار، لذا قد تجد بعض الأنواع التي تتكيف مع ظروف مناخية معينة نفسها مشردة دون موائل، وتواجه تحديات جديدة في مناطق غير مألوفة بالنسبة لها [5].


يؤدي تيير المناخ أيضًا إلى تعطيل التوازن الدقيق داخل النظم البيئية، مما يؤثر على شبكة الحياة بأكملها، حيث تشكل التغيرات المناخية تحديات أمام أنواع الكائنات الحية التي اعتادت على الظروف المناخية المستقرة، مما يدفع النظام البيئي بأكمله إلى عدم الاستقرار [5].


يمكن أن تشمل الآثار الأخرى للتغير المناخي على التنوع الحيوي على ما يلي [2]:

  • الانقراض: غالبًا ما تتجاوزة سرعة وتيرة تغير المناخ قدرة الكائنات الحية على التكيف، مما يزيد من خطر انقراض هذه الأنواع خاصة لدى الأنواع المعرضة لخطر الانقراض مسبقًا.

  • التأثير المتتالي على التنوع الحيوي: يؤدي الترابط بين النظم البيئية إلى تكثيف تأثير تغير المناخ على هذه النظم، حيث تتوالى الاضطرابات في أحد الموائل من خلال النظم البيئية المرتبطة به، مما يؤثر على تبعيات الأنواع وعلاقاتها. على سبيل المثال يمكن أن تؤثر التغيرات في درجات الحرارة على توفر الفرائس، أو مواقع التعشيش المناسبة، مما يخلق آثار مضاعفة عبر المستويات الغذائية ويشكل تحديًا لاستقرار النظم البيئية بأكملها.


التلوث

يهدد التلوث أيضًا التوازن الدقيق للنظم البيئية ويعرض التنوع الحيوي الغني للخطر، وتشمل أنواع التلوث وتأثيراتها على التنوع الحيوي ما يلي [1] [5]:

  • تلوث الهواء: تؤدي الأنشطة البشرية بما في ذلك الأنشطة الصناعية وإطلاق عوادم المركبات إلى إطلاق ملوثات في الهواء، ويمكن لهذه الملوثات أن تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على التنوع الحيوي، فعلى سبيل المثال قد تضر السموم المحمولة في الهواء في النباتات والحيوانات بشكل مباشر، أما الأمطار الحمضية التي تنجم عن تلوث الهواء فيمكن أن تغير من تكوين التربة ونوعية وجودة المياه، الذي بدوره يؤثر على النظم البيئة على اليابسة وفي الماء.

  • تلوث المياه: يشكل تلوث المياه خطرًا شديدًا على التنوع الحيوي بشكل عام وعلى التنوع الحيوي المائي بشكل خاص، حيث يساهم الجريان السطحي الناتج عن الأنشطة الزراعية، وتصريف النفايات الصناعية في المسطحات المائية، والتخلص غير السليم من المواد الكيميائية في تدهور نوعية المياه، مما يضر بأنواع الكائنات الحية خاصة المائية من الكائنات الحية الدقيقة وحتى الكائنات الأكبر حجمًا.

  • تلوث التربة: يمكن أن يكون لإدخال الملوثات إلى التربة سواء من خلال الأنشطة الصناعية أو من خلال التخلص غير السليم من النفايات عواقب طويلة الأمد، حيث يمكن لهذه الممارسات الخطيرة التي تلوث التربة أن تؤثر على نمو النباتات، وأن تعطل دورة المغذيات، وأن تؤثر على صحة الكائنات الحية التي تعيش في التربة، وبما أن التربة عنصر أساسي في النظم الحيوية فإن تغيراتها الناتجة عن التلوث يتردد صداها عبر النظم البيئية بأكملها.


التلوث البلاستيكي في المحيطات

من بين المخاوف الملحة جدًا انتشار التلوث البلاستيكي في المحيطات، حيث تشكل المواد البلاستيكية الملقاة في المحيطات بدءًا من جزيئات البلاستيك الصغيرة إلى البقايا البلاستيكية الكبيرة تهديًا مباشرًا للحياة البحرية.


يمكن أن تبتلع الكائنات البحرية البلاستيك أو أن تتشابك معه، مما قد يؤدي إلى إصابتها أو وفاتها، أو قد يؤثر في مستويات مختلفة من نظام تغذيتها، بالإضافة إلى ما سبق تمتد آثار التلوث البلاستيكي من المناطق الساحلية لتصل إلى الأجزاء البعيدة من المحيط، مما يؤثر على التنوع الحيوي عبر النظم الحيوية المائية في تلك الأجزاء [1].


الاستغلال المفرط للنظم البيئية

لقد نسجت الأنشطة البشرية المدفوعة بزيادة الطلب على الخدمات والمنتجات المختلفة خيطًا خطيرًا في نسيج التنوع الحيوي وأدت إلى استغلال النظم البيئية بشكل مفرط الذي بدوره تسبب بآثار مدمرة لا يمكن عكسها في هذه النظم، ومن هذه الأنشطة ما يلي [2] [5]:

  • صيد السمك الجائر: تواجه محيطات العالم التي تعج بأشكال الحياة المائية المتنوعة وطأة الاستغلال المفرط للعديد من أنواع الكائنات البحرية بسبب الصيد الجائر المتفشي، حيث تؤدي ممارسات الصيد الغير منظمة والمفرطة في استنفاد أعداد الأسماك، وتعطيل النظم البيئية البحرية، حيث تعاني الأنواع التي يتم صيدها سواء لقيمتها التجارية أو لغايات الترفيه من انخفاض أعدادها المترافق بالتأثيرات المتتالية على الشبكة الغذائية البحرية بأكملها.

  • الصيد الجائر: على اليابسة يؤدي الصيد غير القانوني للحيوانات البرية المدفوع بالطلب على الحيوانات الأليفة الغريبة، أو أجزاء من أجسام الحيوانات مثل العاج، أو الجوائز إلى خسارة مدمرة للتنوع الحيوي. الصيد الجائر المدفوع بالطلب من السوق السوداء يدفع بالأنواع المعرضة للخطر إلى الانقراض، مما يعطل الديناميكيات البيئية، ويقلل من ثراء التنوع الحيوي.

  • قطع الأشجار غير المستدام: يؤدي البحث عن الأخشاب ومنتجات الغابات الأخرى إلى ممارسات قطع الأشجار غير المستدام، أي الذي لا يعقبه زراعة أشجار أخرى أو إعطاء فرصة للغابات لتتجدد، مما يساهم في إزالة الغابات وتدمير الموائل، ويؤدي إلى فقدان أنواع نباتية وحيوانية متنوعة، مما يؤثر على النظم البيئية بأكملها ويقوض مرونة التنوع الحيوي للغابات.


أمثلة حول الضرر الذي تعرض له التنوع الحيوي

يزخر العالم بأمثلة واقعية حول الضرر الذي تعرض له التنوع الحيوي نتيجة للعوامل التي تم ذكرها سابقًا مثل تجزئة الموائل، ومن هذه الأمثلة ما يلي [2] [5]:

  • غابات الأمازون المطيرة: أدى التطور والإزالة واسعة النطاق لأجزاء من غابات الأمازون المطيرة إلى تجزئة نظامها البيئي المهم عالميًا، مما بدوره أدى إلى مواجهة أنواع الكائنات الحية في تلك الغابات العزلة المتزايدة، مما قلل من قدرتها على العثور على أزواج وطعام وموائل مناسبة.

  • سهول السافانا الأفريقية: أدى تحويل مساحات كبيرة من أراضي سهول السافانا إلى أراضي زراعية وأراضي صالحة للاستيطان البشري إلى فقدان الموائل وتجزئتها، مما تسبب في تعطل السلوكيات الطبيعية وأنماط الهجرة، ونظام الافتراس للعديد من أنواع الكائنات الحية التي كانت تقطن هذه السهول مثل الأسود والفيلة.

  • تراجع أعداد الأسماك: أدى الصيد البحري الجائر إلى تراجع أعداد الأسماك التي كانت وفيرة في السابق، حيث تواجه الأنواع الشهيرة مثل سمك التونة وسمك والقد انخفاضًا شديدًا في أعدادها، مما بدوره أثر على النظم البيئية البحرية وعلى المجتمعات التي تعتمد على مصايد الأسماك.

  • اختفاء الأنواع البرية: أدى الصيد الجائر إلى دفع العديد من أنواع الحيوانات البرية مثل وحيد القرن والفيلة والنمور المرغوبة بسبب قرونها وعاجها وجلودها إلى حافة الانقراض. إن فقدان هذه الحيوانات الضخمة الجذابة لا يؤدي إلى تقليل التنوع الحيوي فحسب بل يعطل الأدوار البيئية التي كانت تقوم بها هذه الحيوانات في موائلها.


الحفاظ على التنوع الحيوي

في مواجهة التهديدات المتصاعدة للتنوع الحيوي ينكشف فصل بالغ الأهمية، وهو الجهود والتدخلات الاستراتيجية التي تهدف إلى حماية خيوط الحياة الدقيقة المنسوجة في النظم البيئية لكوكب الأرض، ومن هذه التدخلات والاستراتيجيات ما يلي:


إنشاء المحميات

إن إنشاء المحميات وصيانتها يقف بمثابة حصون ضد موجة فقدان الموائل وتراجع أعداد أنواع الكائنات الحية. إن هذه المساحات المخصصة والتي غالبًا ما يتم اختيارها بعناية بناءً على أساس أهميتها البيئية تعد ملاذات لأنواع الكائنات الحية، حيث يمكن أن تخضع هذه الكائنات الحية في المحميات لعمليات التعافي والتجدد [2].


لا تكمن أهمية المحميات في إيواء الأنواع الفردية فقط، بل أيضًا في حفاظها على التفاعل المعقد للعلاقات داخل النظم البيئية، حيث تعمل هذه المناطق كمستودعات للتنوع الحيوي، وتضم فسيفساء من أشكال الحياة التي يلعب كل منها دورًا فريدًا في الحفاظ على توازن الطبيعة، حيث تظهر المحميات المدارة بشكل جيد عودة لأنواع الكائنات الحية واستعادة للنظم البيئية.


التعاون الدولي

إن الصعوبات التي تواجه التنوع الحيوية تتعدى الحدود الوطنية، لذا يعد تعزيز التعاون الدولي لمواجهة هذه الصعوبات بالغ الأهمية من خلال الاتفاقيات العالمية والمنظمات التعاونية التي تعمل كركائز أساسية لدعم الجهد الجماعي لحماية نسيج الحياة الغني على كوكب الأرض [5].


من المساعي الجديرة بالملاحظة في هذا المجال اتفاقية التنوع الحيوي التي تعد بمثابة شهادة على الالتزام المشترك للدول المشاركة على مواجهة التعقيدات المرتبطة بتدهور التنوع الحيوي من خلال تحديد أطر الاستخدام المستدام للموارد الحيوية، والتقاسم العادل والمنصف للمنافع، والحفاظ على النظم البيئية.


استكمالًا للاتفاقيات تؤكد مبادرات مثل مبادرة صندوق البيئة العالمي على أهمية تجميع الموارد والخبرات على نطاق عالمي، حيث يقوم صندوق البيئة العالمي بتسهيل وتوفير المساعدات المالية للمشاريع التي تعالج القضايا البيئية بما في ذلك المشاريع المرتبطة مباشرة بحفظ التنوع الحيوي.


المشاركة المجتمعية

يكمن النجاح في الحفاظ على التنوع الحيوي في إشراك المجتمعات المحلية في مخططات حماية النظم البيئية والتنوع الحيوي، وزيادة معرفتها بأهمية هذا التنوع وتعزيز المسؤولية المشتركة بينها وبين الجهات المختصة للحفاظ على استدامة وتنوع النظم البيئية [1].


تمتلك المجتمعات المحلية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالبيئات حولها معارف تقليدية لا تقدر بثمن حول النباتات والحيوانات التي تعيش في تلك البيئات، لذا عند دمج هذه المعارف في استراتيجيات الحفاظ على التنوع الحيوي سيتم تعزيز فعالية المبادرات واستدامتها، بالإضافة إلى ذلك إن إشراك المجتمعات المحلية في عمليات صنع القرار يعزز من الشعور بالملكية، ويشجع على الإدارة المسؤولة طويلة الأمد [2].


تؤكد العديد من المشاريع المجتمعية الناجحة على النتائج الإيجابية لهذا النهج التعاوني. تتراوح المبادرات المجتمعية من الإدارة المستدامة للموارد، واستعادة الموائل إلى برامج التعليم والتوعية، فمن خلال هذه البرامج يتم تسخير القوة الجماعية للأوصياء المحليين، وتكتسب جهود الحفاظ على التنوع الحيوي المرونة والأهمية، مما يضمن استمرار التعايش المتناغم بين المجتمعات والعالم الطبيعي [2].


المراجع

[1] Faith, D. P. (2010). Biodiversity (Stanford Encyclopedia of Philosophy). Stanford.edu. https://plato.stanford.edu/entries/biodiversity/

[2] National Research Council (US) Panel on Biodiversity Research Priorities. Conserving Biodiversity: A Research Agenda for Development Agencies. Washington (DC): National Academies Press (US); 1992. 1, Biodiversity and Development. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK234666/

[3] National Research Council (US) Committee on Noneconomic and Economic Value of Biodiversity. Perspectives on Biodiversity: Valuing Its Role in an Everchanging World. Washington (DC): National Academies Press (US); 1999. 2, What is Biodiversity? https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK224405/

[4] Pavid, K. (2020, April 3). What is biodiversity? Www.nhm.ac.uk. https://www.nhm.ac.uk/discover/what-is-biodiversity.html

[5] Wilson EO, Peter FM, editors. Biodiversity. Washington (DC): National Academies Press (US); 1988. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK219272/ doi: 10.17226/989

bottom of page