top of page

موت الخلايا المبرمج مساراته آلياته وتنظيمه

موت الخلايا المبرمج
موت الخلايا المبرمج

موت الخلايا المبرمج (بالإنجليزية: Apoptosis or Programmed Cell Death) هي آلية للقضاء على الخلايا الغير مرغوب بها أو التالفة، وتشكيل الأنسجة أثناء النمو والحفاظ على توزان الأنسجة لدى الكائنات الحية البالغة [3]، مما يساهم في الصحة العامة ووظائف الأنسجة والأعضاء لدى الكائنات [8].


أثناء نمو الجنين يلعب الموت المبرمج للخلايا دورًا حاسمًا في تشكيل الأنسجة والأعضاء، وتحسين شكلها وحجمها وبنيتها من خلال الإزالة الانتقائية لمجموعات محددة من الخلايا [2]، أما لدى الكائنات البالغة فينظم موت الخلايا تجديد الأنسجة، مما يمنع تراكم الخلايا الهرمة والتالفة، ويحافظ على التوازن بين تكاثر الخلايا وموتها [9].


مسارات موت الخلايا المبرمج

موت الخلايا المبرمج عملية منظمة للغاية تنطوي على التفاعل المعقد بين المكونات الجزيئية المختلفة، ومن العوامل الرئيسية في هذه العملية الكاسبيزات (بالإنجليزية: Caspases)، وهي عائلة من البروتياز تنسق تفكيك الخلية، حيث توجد الكاسبيزات كإنزيمات أولية غير نشطة داخل الخلية، ويتم تنشيطها من خلال الانقسام المحلل للبروتين كاستجابة لإشارات موت الخلايا المبرمج [2].


تتم عملية موت الخلايا المبرمج من خلال مسارين رئيسيين، وهما:


المسار الداخلي لموت الخلايا المبرمج

يتم تشغيل المسار الداخلي لموت الخلايا المبرمج ويطلق عليه أيضًا مسار الميتكوندريا من خلال إشارات داخل الخلايا يتم إطلاقها بسبب الإجهاد الخلوي، أو تلف الحمض النووي، أو حرمان الخلية من عوامل النمو الأساسية [1].


تحفز إشارات موت الخلايا الداخلية سلسلة من الأحداث داخل الخلية، وتبلغ هذه الأحداث ذروتها عندما يصبح غشاء الميتوكندريا الخارجي منفذًا، حيث تسمح هذه النفاذية لغشاء الميتوكندريا الخارجي بإطلاق العديد من العوامل المحفزة لموت الخلية من غشاء الميتوكندريا إلى السيتوبلازم [3].


أحد العوامل الحاسمة المحفزة لموت الخلايا الذي يتم إطلاقه من غشاء الميتوكندريا هو السيتوكروم سي، فبمجرد وصوله إلى السيتوبلازم يرتبط بعامل تنشيط بروتياز موت الخلايا المبرمج 1 (بالإنجليزية: Apoptotic protease activating factor 1 or APAF1) ليكون مركبًا يطلق عليه أبوبتوسوم (بالإنجليزية: Apoptosome) الذي بدوره ينشط بروتينًا مسبقًا لبدء أحداث موت الخلية المبرمج وهو بروتين بروكاسباس-9 (بالإنجليزية: Procaspase-9) [3].


تبدأ أحداث موت الخلية بتنشيط بروتين بروكاسباس-9، حيث يقوم هذا البروتين بتنشيط وتقسم الكاسبيزات مثل كاسباس-3 وكاسباس-7 التي تعمل تنظيم التغيرات الحيوية والكيميائية والمورفولوجية المرتبطة بموت الخلايا المنظم، مما يؤدي إلى موت الخلايا في النهاية [3].


المسار الخارجي لموت الخلايا المبرمج

يبدأ المسار الخارجي لموت الخلايا المبرمج من خلال الإشارات القادمة من خارج الخلية التي تتفاعل مع مستقبلات موت الخلايا المبرمج على سطح الخلية، مما يؤدي إلى سلسلة من الأحداث تنتهي بموت الخلايا [9].


تعمل مستقبلات موت الخلايا مثل مستقبل فاس (بالإنجليزية: Fas receptor) ومستقبل عامل نخر الورم-1 (بالإنجليزية: Tumor necrosis factor receptor 1 or TNFR1) كمفاتيح تستجيب لربيطات محددة موجودة في البيئة الخارجية للخلية، وعند ارتباط الربيطات بالمستقبلات، يتم تجميع مركب متعدد البروتينات يطلق عليه مجموعة التأشير لتحفيز موت الخلية (بالإنجليزية: Death-inducing signaling complex or DISC).


يعد تكوين مجموعة التأشير خطوة حاسمة لتنشيط مسار موت الخلايا المبرمج الخارجي، حيث يتم داخل المجموعة تقريب جزيئات بروكاسباس-8 وتنشيطها، مما يؤدي إلى توليد كاسباس-8 نشط، الذي بدوره يطلق سلسلة من الأحداث المحللة للبروتين والمنشطة لكاسباس-3 وكاسباس-7 وتنتهي هذه الأحداث بموت الخلية [9].


يوفر المسار الخارجي لموت الخلايا المبرمج آلية للخلايا للاستجابة للإشارات القادمة من خارج الخلية، مما يجعل موت الخلايا خاضع للرقابة، ويساهم في بناء الأنسجة، والحفاظ على توازنها، لذا يمكن أن يتسبب الخلل في مسار موت الخلايا المبرمج الخارجي بآثار عميقة وأمراض مختلفة، مثل اضطرابات المناعة الذاتية، والحالات الالتهابية، والسرطان [9].


الآليات الأخرى لموت الخلايا المبرمج

في حين أن موت الخلايا المبرمج من خلال المسارين الخارجي والداخلي هو الشكل الأكثر تميزًا لموت الخلايا إلا أن هناك أدلة ناشئة تشير إلى وجود آليات بديلة مختلفة لموت الخلايا تشمل على مسارات واستجابات خلوية متنوعة، مما يساهم في تعقيد تحديد مصير الخلية، ومن هذه الآليات ما يلي:


موت الخلايا النخري

تظهر آلية موت الخلايا النخري (بالإنجليزية: Aponecrosis) خصائص موت الخلايا المبرمج والنخر معًا، ففي حين أن موت الخلايا المبرمج يتميز بتفكيك الخلايا المنظم مع الحد الأدنى أو دون التهاب، إلا أن النخر عادةً ما ينطوي على تورم الخلايا والتهابها، لذا فإن موت الخلايا النخري يجمع بين ميزات كل منهما [3].


غالبًا ما يتضمن موت الخلايا النخري على تغيرات أولية تشبه موت الخلايا المبرمج، تليها تغيرات نخرية ثانوية مثل فقدان سلامة الغشاء السيتوبلازمي وإطلاق محتويات الخلية إلى الفراغ المحيط بها، مما يؤدي إلى الالتهاب وتلف الأنسجة [3].


الآليات المستقلة عن الكاسباس

على الرغم من أن الكاسبيزات وسطاء رئيسيين لموت الخلايا المبرمج، إلا أن هناك آليات مستقلة عن الكاسباس (بالإنجليزية: Caspase-independent mechanism) لموت الخلايا، خاصة في الخلايا العصبية [3].


يمكن أن تتضمن الآليات المستقلة عن الكاسباس على تنشيط بروتيازات أخرى أو منظمات موت خلايا مختلفة، مثل الكالبينات، أو العوامل المحفزة لموت الخلايا المبرمج (AIF)، مما يؤدي إلى موت الخلايا دون مشاركة الكاسبيزات [3].


نظير موت الخلايا المبرمج

نظير موت الخلايا المبرمج (بالإنجليزية: Paraptosis) هو شكل متميز من موت الخلايا المبرمج يتميز بالتفريغ السيتوبلازمي وتضرر الشبكة الإندوبلازمية والتورم ولكن دون وجود السمات النموذجية لموت الخلايا المبرمج أو النخر [7].


ينطوي نظير موت الخلايا المبرمج على تنشيط شكل بديل من نشاط كاسباس-9 بشكل مستقل عن مسار موت الخلايا المبرمج، وغالباً ما يرتبط هذا الشكل من موت الخلايا المبرمج بظروف الإجهاد الخلوي مثل تلف الشبكة الإندوبلازمية، أو خلل الميتوكندريا [7].


الالتهام الذاتي

الالتهام الذاتي (بالإنجليزية: Autophagy) عملية خلوية تشارك في تحلل وإعادة تدوير المكونات الخلوية مثل العضيات، والبروتينات التالفة للحفاظ على التوازن الخلوي [7].


في حين أن الالتهام الذاتي آلية وقائية في الخلايا، إلا أن الالتهام المفرط أو غير المنظم يمكن أن يؤدي إلى موت الخلايا في آلية يطلق عليها موت الخلايا الالتهامي الذاتي (بالإنجليزية: Autophagic cell death) [7].


يتضمن موت الخلايا الالتهامي الذاتي على احتجاز محتويات السيتوبلازم في حويصلات ذات غشاء مزدوج تسمى الجسيمات البلعمية الذاتية التي تندمج مع الليسوسومات للقيام بعملية التحلل، وقد يحدث موت الخلايا الالتهامي الذاتي بشكل مستقل أو متزامن مع موت الخلايا المبرمج [7].


الاستماتة الحديدة

تعد الاستماتة الحديدة (بالإنجليزية: Ferroptosis) شكل مميز من أشكال موت الخلايا المنظم الذي يتميز بالبيروكسيد الدهني المعتمد على الحديد، أي تراكم بيروكسيدات الدهون وخاصة الفوسفوليبيدات التي تحتوي على الأحماض الدهنية المتعددة الغير مشبعة، مما يؤدي إلى تلف الغشاء الخلوي وموت الخلايا. تسبب الاستماتة الحديدة حالات مرضية كبيرة مثل الأمراض التنكسية العصبية والسرطان [5].


كارثة الانقسام المتساوي

كارثة الانقسام المتساوي (بالإنجليزية: Mitotic Catastrophe) هي شكل من أشكال موت الخلايا الذي يحدث نتيجة لانقسام الخلية المتساوي الغير طبيعي، والذي عادةً ما يحدث بسبب عيوب في نقاط تفتيش دورة انقسام الخلية، أو عدم استقرار الكروموسومات [4].


تعد كارثة الانقسام المتساوي استجابة خلوية للإجهاد السمي الذي تتعرض له الجينات مثل التعرض للإشعاع المؤين، أو العلاج الكيميائي، والتي يمكن أن تؤدي إلى تلف الحمض النووي، وتعطيل تقدم الانقسام المتساوي الطبيعي، مما يؤدي في النهاية إلى كارثة الانقساط الطبيعي [4].


تكمن أهمية كارثة الانقسام المتساوي في دورها كآلية وقائية للقضاء على الخلايا التي تعاني من تلف لا يمكن إصلاحه في الحمض النووي، أو عدم الاستقرار الجيني، فمن خلال منع انتشار الخلايا التي تحتوي على طفرات ضارة تعمل كارثة الانقسام الخلوي المتساوي على الحفاظ على السلامة الجينية ومنع ظهور مجموعات شاذة وراثيًا [4].


الغزو الخلوي

في الغزو الخلوي (بالإنجليزية: Entosis) تقوم خلية بغزو سيتوبلازم خلية أخرى، مما يؤدي إلى تكون هياكل خلوية كبيرة أي خلية داخل خلية بين نفس أنواع الخلايا أو خلايا متماثلة [6].


من الآليات الجزيئية الكامنة خلف الغزو الخلوي التفاعل المعقد بين تفاعلات ارتباط الخلايا، وإعادة ترتيب الهيكل الخلوي، ومسارات الإشارات [6].


يخدم الغزو الخلوي وظائف فسيولوجية متنوعة بما في ذلك إعادة تشكيل الأنسجة، والتنافس على المساحة داخل الأنسجة، والحفاظ على التوزان الخلوي، بالإضافة إلى ذلك قد يعمل موت الخلايا الداخلية الغازية كآلية لإزالة الخلايا التالفة أو المجهدة من بين الأنسجة، وبالتالي فهي تمنع تراكم الخلايا المختلة وتعزز سلامة الأنسجة [6].


تنظيم موت الخلايا المبرمج

يتضمن تنظيم موت الخلايا المبرمج على شبكة متطورة من مسارات الإشارات والآليات الجزيئية التي تحكم القرار بين موت الخلايا وبقائها [2].


تعمل الإشارات المحفزة لموت الخلايا مثل الإجهاد الخلوي أو تنشيط مستقبلات الموت على تعزيز بدء موت الخلايا المبرمج من خلال تنشيط المكونات الرئيسية لآلية موت الخلايا، فعلى سبيل المثال يؤدي تلف الحمض النووي إلى تنشيط البروتينات الكابتة للورم مثل بروتين p53 الذي ينظم الجينات المحفزة لموت الخلايا نسبيًا، بما في ذلك الجينات التي تشفر الكاسبيزات [3] [8].


على العكس مما سبق تتلقى الخلايا إشارات البقاء من مصادر مختلفة، بما في ذلك عوامل النمو، والسيتوكينات، والتفاعلات بين الخلايا التي تتعارض مع الإشارات المحفزة لموت الخلايا وتعزز بقاء الخلايا [2].


تعمل عوامل بقاء الخلية التي تم ذكرها سابقًا على تنشيط مسارات إشارات معينة مثل مسار فوسفونوسيتيد 3-كيناز/ بروتين كيناز ب (PI3K/AKT) الذي يفسفر ويثبط نشاط البروتينات المحفزة لموت الخلايا مثل بروتين بروكاسباس-9، بالإضافة إلى ما سبق تنتج الخلايا بروتينات مضادة لموت الخلايا المبرمج مثل بروتينات عائلة BCL-2 التي تمنع نفاذية الغشاء الخارجي للميتوكندريا وتمنع تنشيط الكاسبيزات، مما يمنع موت الخلايا [1].


دور موت الخلايا المبرمج في النمو والتطور والتوازن

يشارك موت الخلايا المبرمج بشكل معقد في تنسيق التكوين الدقيق للأنسجة والأعضاء أثناء نمو وتطور الجنين، مما يضمن التسكيل السليم لهذه الأعضاء وتكون الأطراف [8].


من خلال القضاء بشكل انتقائي على الخلايا الزائدة، أو التي تم تكوينها بشكل غير صحيح يساعد موت الخلايا المبرمج على تحسين بنية ووظائف الأنسجة النامية، مما يساهم في النهاية في تكوين أعضاء تقوم بوظائفها بشكل صحيح، فعلى سبيل المثال يلعب موت الخلايا دورًا حاسمًا في تكوين ونحت الأصابع أثناء نمو الأطراف من خلال إزالة الأنسجة الزائدة من بين الأصابع، وبالتاليي تتشكل أصابع يدين وقدمين مميزة قادرة على القيام بوظائفها.


لدى الكائنات الحية البالغة يلعب موت الخلايا المبرمج دور حيوي في الحفاظ على صحة وتوازن الأنسجة من خلال القضاء على الأنسجة التالفة أو الزائدة في سياقات فسيولوجية مختلفة [8].


على سبيل المثال في الجهاز المناعي يعد موت الخلايا المبرمج أمر بالغ الأهمية لانتقاء الخلايا المناعية ونضجها، مما يضمن توليد مجموعة متنوعة من الخلايا الليمفاوية القادرة على القيام بوظائفها وفي نفس الوقت تقوم هذه العملية بالقضاء على الخلايا الليمفاوية ذاتية التفاعل أو التي لا تقوم بوظائفها.


بالإضافة إلى ما سبق يساهم موت الخلايا المبرمج في عمليات إعادة تشكيل الأنسجة مثل إزالة الخلايا الزائدة أثناء تجديد الأنسجة أو إصلاحها، والقضاء على الخلايا الهرمة التي تتراكم مع تقدم السن [8].


يشارك موت الخلايا المبرمج أيضًا في تجديد الأنسجة التي تحتاج إلى التجدد باستمرار مثل خلايا البطانة الظهارية للجلد، حيث يتم التخلص من الخلايا القديمة أو التالفة ويتم استبدالها بخلايا حديثة التكوين باستمرار [3].


المراجع

[1] Akhtar F, Bokhari SRA. Apoptosis. [Updated 2023 Apr 14]. In: StatPearls [Internet]. Treasure Island (FL): StatPearls Publishing; 2024 Jan-. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK499821/

[2] Alberts B, Johnson A, Lewis J, et al. Molecular Biology of the Cell. 4th edition. New York: Garland Science; 2002. Programmed Cell Death (Apoptosis). https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK26873/

[3] Elmore S. (2007). Apoptosis: a review of programmed cell death. Toxicologic pathology, 35(4), 495–516. https://doi.org/10.1080/01926230701320337

[4] Fiorenza Ianzini, & Mackey, M. A. (2007). Mitotic Catastrophe. Humana Press EBooks, 73–91. https://doi.org/10.1007/978-1-59745-221-2_4

[5] Jiang, X., Stockwell, B. R., & Conrad, M. (2021). Ferroptosis: mechanisms, biology and role in disease. Nature reviews. Molecular cell biology, 22(4), 266–282. https://doi.org/10.1038/s41580-020-00324-8

[6] Kianfar, M., Balcerak, A., Chmielarczyk, M., Tarnowski, L., & Grzybowska, E. A. (2022). Cell Death by Entosis: Triggers, Molecular Mechanisms and Clinical Significance. International journal of molecular sciences, 23(9), 4985. https://doi.org/10.3390/ijms23094985

[7] Kessel D. (2019). Apoptosis, Paraptosis and Autophagy: Death and Survival Pathways Associated with Photodynamic Therapy. Photochemistry and photobiology, 95(1), 119–125. https://doi.org/10.1111/php.12952

[8] Renehan, A. G., Booth, C., & Potten, C. S. (2001). What is apoptosis, and why is it important?. BMJ (Clinical research ed.), 322(7301), 1536–1538. https://doi.org/10.1136/bmj.322.7301.1536

[9] Yanumula A, Cusick JK. Biochemistry, Extrinsic Pathway of Apoptosis. [Updated 2023 Jul 31]. In: StatPearls [Internet]. Treasure Island (FL): StatPearls Publishing; 2024 Jan-. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK560811/

bottom of page