top of page

الكروموسومات: رحلة في عالم الوراثة وتنظيم الخلايا


رسم تخطيطي لهيكل الكروموسوم
الكروموسومات

الكروموسومات كيانات أساسية داخل الخلية وتعد حجر الزاوية للميراث الجيني والوظائف الخلوية [5]، فهي تعمل كمستوددعات للمعلومات الوراثية حيث تحتوي على مخطط الكائن الحي، والسمات والوظائف التطورية المروثة عبر الأجيال. توجد الكروموسومات داخل نواة الخلية، وتقوم بتنسيق ووتخزين وتنظيم مقل المواد الوراثية بدقة.


تمتد أهمية الكروموسومات الى أبعد من مجرد كونها مستودعات للحمض النووي حيث تضمن الكروموسومات سلامة واستقرار الشيفرة الوراثية وتحمي مخططات الحياة من الاضطرابات البيئية والداخليه. تجسد الكروموسومات ذروة الانتقاء التطوري وتحتوي على ثروه من المعلومات التي تشكل خصائص ووظائف الكائنات الحية.


ما هي الكروموسومات؟

الكروموسومات هي الوحدات الهيكليه والوظيفيه للوراثه، وتجسد الشكل المكثف من الحمض النووي المنظم بشكل معقد من خلال مجموعة من البروتينات، وتشكل كيانًا جزئيًا معقدًا يسمى الكروماتين، حيث تعمل هياكل الكروماتين هذه كمستودعات ملموسه للمعلومات الجينية بسبب احتوائها على مخطط الحياه المشفر داخل الحمض النووي [1] [2].


يمثل الجسيم النووي أو النيوكليوسوم لبنه البناء الأساسية للكروماتين، حيث يتألف الجسيم النووي يتالف من قطعه من الحمض النووي ملفوفة حول بروتينات هيستون والتي تظهر كبنية مدمجة تشبه الخرزه [1]، حيث يسمح هذا التنظيم بالطي المعقد وضغط جزيئات الحمض النووي الكبيرة في وحدات وظيفية يمكن التحكم بها، وهي ضرورية أيضاً للعمليات الخلوية وتنظيم الجينات.


لدى الكائنات حقيقية النواة بما في ذلك البشر والنباتات تتميز الكروموسومات بكونها خطية متعددة ومحمية داخل حدود نواة الخلية، في المقابل تمتلك الكائنات بدائية النواة مثل البكتيريا كروموسوم دائري واحد يقع داخل السيتوبلازم [2]، لذا يؤكد هذا التمييز في تنظيم الكروموسومات بين حقيقيات النواة وبدائيات النواة على التعقيد والتنوع المتأصل في بنيه المادة الوراثية في أشكال الحياة المختلفة.


بنية الكروموسومات

تتميز كروموسومات الخلايا حقيقية النواة بالبنية الهرمية التي تنظم العمليات الجينية المتنوعة، إذ يسمح تنظيمها بالتحكم الدقيق في المادة الوراثية مما يوفر مستويات مختلفة من التضغيط أو الدمك الذي يحدد الأنشطة الخلوية [1] [2]. وتشمل بنية الكروموسوم على الأجزاء التالية:


النيوكليوسوم

كما ذكرنا سابقًا يعد النيوكليوسوم (بالإنجليزية: Nucleosome) الوحدة الأساسية التي تكون الحمض النووي الملفوف حول نواة بروتين هيستون، ولا تسهل هذه الوحده الهيكلية تعبئة الحمض النووي فحسب بل تنظم أيضًا العمليات الوراثية، حيث تعمل بروتينات الهيستون التي تتميز بذيول مرنه على شكل حرف N كمعدلات رئيسية لبنية الكروماتين والتعبير الجيني [2].


تظهر الكروموسومات مستويات دمك مختلفه بناءًا على حالة الخلية، فأثناء الطور البيني أي عندما لا تنقسم الخلايا بشكل نشط يتبنى الكروماتين شكلًا أقل كثافة مما يسمح بحدوث عمليات ضرورية مثل التعبير الجيني وتكرار الحمض النووي وإصلاحه [5]، مما يعني أن هذا الهيكل المريح يعزز إمكانية الوصول الى المعلومات الجينية المشفرة داخل أشرطة الحمض النووي.


الكروماتين

بعيدًا عن النيوكليوسومات يشكل الكروماتين (بالإنجليزية: Chromatin)، أي الحمض النووي والبروتينات المشكلة للكروموسومات هياكل عالية الترتيب مثل ألياف الثلاثين نانوميتر ومناطق الكروموسومات، كما تقوم الإنزيمات بما في ذلك معدلات الكروماتين ومجمعات إعادة التشكيل بما في بتنظيم تعبئة الحمض النووي بدقه عن طريق تعديل الهيستونات وتغيير بنية الكروماتين، مما يعني أن هذه التعديلات تحكم إمكانية وصول الحمض النووي الى الالآت الخلوية المختلفة، مما يؤثر بشكل عميق في التعبير الجيني والوظيفة الخلوية [1] [2].


بالإضافة الى ما سبق تساعد الطبيعة المعقدة والديناميكية للكروماتين الخلايا على تعديل الأنشطة الجينية عند الاستجابه للإشارات البيئية والإشارات التنموية، حيث تلعب التعديلات في بنيه وتنظيم الكروماتين أدوار محوريه في تحديد الهوية الخلوية وضمان التعبير الجيني الدقيق، وتساهم في العديد من العمليات البيولوجية، مما يعني أن التفاعل المعقد بين بنية الكروماتين ووظيفته تؤكد على الدور الأساسي للكروموسومات في تنسيق وتنظيم الأنشطة الخلوية [3] [4].


السنترومير

السنترومير (بالإنجليزية: Centromere) أي الجزء المركزي من الكروموسوم المشابه للقرص، وتتمثل وظيفته في ربط الألياف المغزلية أثناء انقسام الخلايا، حيث يلعب السنترومير دور هام في ضمان الفصل الدقيق للكروموسومات في الخلايا الإبنة أثناء الانقسام المنصف والانقسام المتساوي [1].


من الناحية الهيكلية يشمل السنترومير على تسلسلات فريدة من الحمض النووي والبروتينات المرتبطة بها، ومعاص تشكلان مركبًا يطلق عليه الحيز الحركي، وتتمثل وظيفة الحيز الحركي في التفاعل مع الأنابيب الدقيقة لضمان المحاذاة وفصل الكروسومات بشكل صحيح [5].


تختلف السنتروميرات باختلاف أنواع الكائنات الحية من ناحية تسلسل الحمض النووي وتنظيمه، ولكنها تشترك في الوظيفة الأساسية المتمثلة في تسهيل توزيع المادة الوراثية بشكل دقيق أثناء انقسام الخلايا [1].


التيلومير

التيلوميرات (بالإنجليزية: Telomerases) هي هياكل متخصصة توجد في نهايات الكروموسومات الخطية، وهي تتكون من تسلسلات الحمض النووي المتكررة، والبروتينات المرتبطة بها [2]، وتشكل التيلوميرات أيضًا الأغطية الواقية التي تحمي أطراف الكروموسومات، بالإضافة غلى دورها في التحلل والاندماج مع الكروموسومات المجاورة [3].


مع كل انقسام يحدث للخلية تقصر التيلوميرات تدريجياً بسبب مشكلة النسخ النهائي، أي عدم قدرة بولميراز الحمض النووي على تكرار نهايات جزيئات الحمض النووي الخطية بشكل كامل [5]، ولكن يعد هذا التقصير الساعة البيولوجية للخلية حيث يؤدي في النهاية إلى شيخوخة الخلية، أو موت الخلايا المبرمج [3].


انقسام الخلية والكروموسومات

تلعب الكروموسومات دور محوري في عملية انقسام الخلايا مما يضمن توزيع دقيق للمادة الوراثية على الخلايا الوليدة، حيث تشمل دورة الخلية أي انقسامها على عدة مراحل متميزة، وهي الطور البيني، والانقسام المتساوي، وانقسام السيتوبلازم [4]، ويتم تنسيق كل مرحلة من هذه المراحل بعناية حيث تخضع الكروموسومات خلالها لتغيرات كبيرة لتسهيل الانقسام المناسب والنقل الدقيق للمعلومات الجينية.


أثناء الانقسام المتساوي وهو مرحله من دورة الخلية تخضع الكروموسومات لعملية التكثيف، مما يمكنها من أن تصبح كيانات مميزة بشكل واضح تحت المجهر، إذ تصطف الكروموسومات المكثفه في هذه المرحلة بدقه عالية على طول صفيحة الطور الوسيط، أي في المستوى المركزي داخل الخليه للاستعداد للفصل المتساوي للخلية لاحقاً الى خليتين إبنتين، حيث تضمن هذه المحاذاة للكروموسومات التوزيع الدقيق للمادة الوراثية بين الخلايا المشكلة حديثًا [1] [5].


تعد دقة فصل الكروموسوم أثناء الانقسام أمر بالغ الأهمية، إذ إن حدوث أي أخطاء خلال هذه العملية يمكن أن تؤدي الى تشوهات وراثية واختلال في الصيغة الصبغية، حيث يمكن ان تتسبب الأخطاء في الانقسام في احتواء الخلايا الوليدة الناتجة على عدد غير طبيعي من الكروموسومات، ويمكن ان يكون لمثل هذه الانحرافات الجينية عواقب وخيمة على تطور الكائن الحي ووظيفته [4] [5].


بالإضافه إلى ما سبق بعد المرحلة الانقسامية تنتهي عمليه انقسام السيتوبلازم ومكونات الخلية الأخرى، مما يؤدي في النهاية الى إنتاج خليتين إبنتين متميزتين تحتوي كل منهما على مجموعه متطابقة من الكروموسومات، لذا يضمن التنسيق الدقيق للعمليات التي ذكرت سابقًا النقل الدقيق للمعلومات الجينية من جيل الى جيل من الخلايا، مما يضمن التطور السليم للكائن الحي ووظيفته [4].


الفرق بين أعداد الكروموسومات في الانقسام المنصف والانقسام المتساوي

في كل من الانقسام المنصف والانقسام المتساوي تتحكم عمليات انقسام الخلايا بشكل حاسم في نقل الماده الوراثية، إلا أن نتائج وأعداد الكروموسومات في كلا النوعين من الانقسام تختلف بشكل كبير [1]. الانقسام هو العملية التي تنقسم بها الخلايا الجسدية المسؤولة عن النمو وإصلاح الأنسجة والتكاثر اللاجنسي في الكائنات وحيدة الخلية.


الانقسام المتساوي

في الانقسام المتساوي تنقسم الخلية الأم الواحدة الى خليتين إبنتين متطابقتين تحتوي كل منهما على نفس عدد الكروموسومات الموجود في الخلية الأم [1]، أي أن عدد الكروموسومات خلال الانقسام يبقى ثابتًا مما يضمن الاستقرار الجيني في الخلايا الإبنه.


على سبيل المثال تحتوي خليه الجسم الجسدية النموذجية على 46 كروموسوم، وخلال الانقسام المتساوي يتم انتاج خليتين إبنتين تحتوي كل منهما على 46 كروموسوم مثل الخلية الأم.


الانقسام المنصف

في الانقسام المنصف وهو شكل متخصص من انقسام الخلايا يحدث في الخلايا الموجهة لتصبح خلايا حيوانات منوية أو بويضات يتضمن الانقسام على انقسامين متتاليين، وهما الانقسام المنصف الأول والانقسام المنصف الثاني، ويؤدي هذين الانقسامين الى إنتاج أربعة خلايا إبنة أحادية الصيغة الصبغية، اي تحتوي كل منهما على نصف عدد الكروموسومات في الخليه الأم [1].


يعد هذا الانخفاض في عدد الكروموسومات أمر بالغ الأهمية للتكاثر الجنسي، لأنه يضمن أنه عندما تندمج الأمشاج أثناء الإخصاب فان الزيجوت الناتج سيحتوي على عدد الكروموسومات الثنائي المميز للأنواع، فعلى سبيل المثال تخضع الخلايا الجرثومية لدى البشر للانقسام المنصف لإنتاج الأمشاج، حيث تحتوي كل خلية منها على 23 كروموسوم بدلًا من 46 كروموسوم، أي يحتوي الحيوان المنوي على 23 كروموسوم والبويضة على 23 كروموسوم، وعند حدوث عملية الإخصاب ستحتوي البويضة المخصبة على 46 كروموسوم، مما يعني أنها ستستعيدت العدد الطبيعي للكروموسومات.


وظائف الكرموسومات

تقوم الكروموسومات بأدوار متعددة تتجاوز وظيفتها فقط كحامل للمعلومات الوراثية، وتؤثر هذه الوظائف للكروموسومات بشكل عميق في الوظائف والسلوكيات الخلوية المختلفة [1] [4]، حيث تشكل مشاركتها في تنظيم الجينات جانبًا محوريا للنشاط الخلوي، مما يؤثر على أنماط التعبير الجيني من خلال التعديلات التي تحدث لبنية الكروماتين أثناء انقسام الخلية [4]، اذ يلعب الترتيب المكاني ومستويات الدمك للكروماتين داخل الكروموسومات دور حيوي في تنظيم الوصول الى المعلومات الجينية المشفرة في الحمض النووي.


من العوامل الحاسمه التي تؤثر في إمكانيه الوصول الى الجينات والتعبير عنها هي تجزئه الكروموسومات وتحديد المواقع الدقيقه لمناطق الكروموسومات داخل النواة [4] [5]، حيث لا يحدد التنظيم المكاني للكروموسومات إمكانيه الوصول الى جينات معينة فقط، بل ينظم أيضا التفاعلات الديناميكية بين المناطق الجينومية، ويشكل العمليات الخلوية الحرجه مثل تمايز الخلايا وتطورها واستجابتها للإشارات البيئية [1]. يؤكد هذا التنظيم المتطور لبنيه الكروماتين وتنظيم الكروموسوم على الدور المحوري لهذه الكينونات في تشكيل العمليات البيولوجية المتنوعة وتنظيم التعبير الجيني المعقد داخل الخلية [4].


المراجع

[1] Alberts B, Johnson A, Lewis J, et al. Molecular Biology of the Cell. 4th edition. New York: Garland Science; 2002. An Overview of the Cell Cycle. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK26869/

[2] Cooper GM. The Cell: A Molecular Approach. 2nd edition. Sunderland (MA): Sinauer Associates; 2000. Chromosomes and Chromatin. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK9863/

[3] Chromosomes | Learn Science at Scitable. (2013). Nature.com. https://www.nature.com/scitable/topicpage/chromosomes-14121320/

[4] Hildebrand, E. M., & Dekker, J. (2020). Mechanisms and Functions of Chromosome Compartmentalization. Trends in biochemical sciences, 45(5), 385–396. https://doi.org/10.1016/j.tibs.2020.01.002

[5] Stewart F. (2010). The anatomy of a chromosome. The Ulster medical journal, 79(3), 110–113. https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3284714/


Comentários


Os comentários foram desativados.
bottom of page